أحيانا أتساءل هل أصبحت صداقاتنا اليوم أقوى لأن وسائل التواصل قربت المسافات أم أنها أصبحت أضعف لأننا اكتفينا بالشاشات.
في الماضي لم يكن الوصول إلى الصديق سهلا كما هو اليوم فلم تكن هناك هواتف ذكية ولا تطبيقات ترسل الرسائل في ثوان ومع ذلك كان الناس أكثر لقاء وأكثر زيارة كان الصديقان يلتقيان في السوق أو في المسجد أو في أحد المجالس ثم يتفقان على موعد للزيارة وربما اصطحب أحدهما عائلته ليقضي الجميع ساعات جميلة لا يشعرون خلالها بمرور الوقت.
كانت الزيارة حدثا جميلا ينتظره الجميع وكانت البيوت تعرف أصحابها قبل أن يطرقوا أبوابها وكانت الأحاديث تمتد من دون استعجال وتولد منها ذكريات تبقى سنوات طويلة.
أما اليوم فقد أصبح كل شيء أسهل بضغطة زر نستطيع أن نرسل رسالة أو صورة أو مقطع فيديو إلى عشرات الأشخاص في لحظة واحدة لكن الغريب أن سهولة التواصل لم تجعلنا أكثر تقاربا بل ربما جعلتنا أقل لقاء.
كم من صديق نتبادل معه الرسائل كل أسبوع وربما كل يوم ولكننا لم نجلس معه منذ سنوات وكم من قريب نعرف أخباره من خلال حالته في الواتساب أكثر مما نعرفها منه وجها لوجه حتى أصبحت الشاشة تقوم بدور الزيارة وأصبحنا نقنع أنفسنا بأن ذلك يكفي.
لكن الحقيقة أن الرسائل لا تنقل حرارة المصافحة ولا تعوض الابتسامة ولا تصنع ذلك الشعور الجميل الذي يتركه اللقاء المباشر فالعلاقات لا تعيش بالكلمات المكتوبة فقط بل تحتاج إلى حضور وإلى وقت وإلى اهتمام يشعر به الطرف الآخر.
ولعلنا نلاحظ أن كثيرا من العلاقات فقدت شيئا من دفئها وأصبحت المجاملات أكثر من المودة والرسائل أكثر من الزيارات حتى تغيرت القلوب وأصبح العذر الجاهز دائما مشغول أو سأراك لاحقا ثم تمر الأيام والسنوات من دون لقاء.
ديننا الحنيف لم يدع إلى صلة الرحم وزيارة الإخوان من فراغ بل لأن اللقاء يقوي المحبة ويزيل ما قد يعلق في النفوس من جفاء ويعيد للحياة الاجتماعية روحها الجميلة.
لسنا مطالبين بأن نترك وسائل التواصل فهي نعمة لا يمكن إنكار فائدتها ولكننا مطالبون ألا نجعلها بديلا عن اللقاء الحقيقي فربما تكون أجمل رسالة نرسلها إلى صديق قديم هي أن نقف أمام بابه ونقول له اشتقنا إليه وجئنا لزيارته فبعض الصداقات لا يحييها إلا لقاء صادق يعيد إليها نبض الأيام الجميلة…



