لا تمنح الدول رهانها لأي مكان لأنها تقرأ ما وراء المكان قبل أن تراهن عليه وتستثمر في مستقبله.
ذلك الاختيار ثمرةُ قراءة بعيدة ترى في المكان ما يستطيع أن يكون قبل أن يراه الآخرون. تسبقه أعوام من الشواهد حتى يغدو امتدادًا طبيعيًا لما أثبته المكان.
ولهذا جاء تدشين صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن نايف بن عبدالعزيز أمير المنطقة الشرقية لمشاريع تنموية واستثمارية في محافظة القطيف بحضور معالي أمين المنطقة الشرقية المهندس فهد بن محمد الجبير حدثًا يتجاوز قيمة المشاريع نفسها لأنه يكشف عن قراءة ترى في هذه المحافظة طاقة تستحق أن تُستثمر وإنسانًا يستحق أن يُبنى معه المستقبل.
الرهان لا يولد من فراغ فوراءه تاريخ وإنسان وتجارب وقدرة أثبتت نفسها حتى استحقت أن يُبنى عليها. هناك مدن تفرض حضورها بما تختزنه من تاريخ وما تملكه من موقع وما يصنعه أهلها كل يوم. وحين تتجه إليها بوصلة التنمية فذلك يعني أن ما فيها لم يعد يُنظر إليه بوصفه إمكانًا كامنًا وإنما قدرة جاهزة لأن تتحول إلى واقع.
ولهذا تمتد قيمة هذه الخطوات إلى ما يتجاوز مواقعها فهي تعيد تشكيل نظرة الإنسان إلى مدينته وتفتح في داخله مساحة أوسع للانتماء والمبادرة.
ورؤية المملكة 2030 أعادت تعريف التنمية في الوعي العام. جودة الحياة والفرص وحيوية المكان واستقرار الإنسان اجتمعت في مسار واحد فأصبح العمران ثمرة لفكرة لا الفكرة نفسها.
والقطيف ليست اسمًا جديدًا على التنمية لكنها اليوم تدخل مرحلة يزداد فيها حضورها الاقتصادي والسياحي والثقافي مستندة إلى تاريخ عريق وموقع فريد وثروة زراعية وبحرية وإنسان عرف كيف يحافظ على هويته وهو يفتح أبوابه لكل جديد.
ولهذا جاء الرهان على القطيف امتدادًا لما تختزنه لا قفزًا فوقه. فالمدن التي تحفظ جذورها تعرف كيف تستقبل غدها بثبات.
وهنا تتجلى قيمة هذا الاختيار.
أن تجد الدولة في مدينة - محافظة - كل هذه المقومات فتختار أن تمضي معها خطوة أخرى.
فالحجر يعرف من يشيّده والحياة تعرف من يملؤها وما يُقام على الأرض يظل ينتظر الإنسان الذي يحوله إلى عمل وإنتاج ومعرفة وحضور يليق بالمكان.
ومن هنا تبدو القطيف أمام مسؤولية توازي حجم ما تحظى به. فكل مشروع جديد يفتح بابًا وكل باب يحتاج إلى من يعبره بفكرة أو مبادرة أو استثمار أو عمل يضيف إلى المكان كما أضاف المكان إليه.
ويبقى المجتمع الصفحة الأخيرة في كل اختيارٍ كبير فهناك يعرف المكان كيف يرد على الثقة بما ينجزه أهله كل يوم.
وهذا ما عُرفت به القطيف عبر تاريخها.. مجتمع يبني ويتعلم ويزرع ويبحر ويتاجر ويشارك في صناعة التنمية قبل أن تُكتب عناوينها.
لهذا لم يكن الخبر في نظري أن مشاريع بمئات الملايين دُشنت في القطيف.
الخبر الأعمق أن الدولة قرأت هذه المحافظة بعين المستقبل ورأت فيها ما يستحق أن يُراهن عليه.
ورهانُ الدولة لا يخيب… حين يكون الإنسان أول استثمارات المدينة، وآخرها.



