نحن في عالمٍ سريع الحركة، كثير الرغبة، قليل القناعة؛ عالمٌ يركض بنا قبل أن نسأله: إلى أين؟ ويملأ أيدينا قبل أن يسأل قلوبنا: هل امتلأت؟ حتى صارت حياتنا بما نملك، لا بما ندرك، وبما نشتري، لا بما نستشعر.
أغرقنا التجار في بحر الأساسيات والكماليات، وصنعوا لنا حاجاتٍ لم نكن نعرفها، ثم أقنعونا أن اقتناءها سعادة، وأن فقدها نقيصة، وأن الإنسان بماركته، ومركبته، وثوبه، وهاتفه، وبيته. فركضنا خلف الأشياء حتى تعبت الأرواح، وجمعنا المقتنيات حتى ضاعت الأولويات، وامتلأت البيوت، وفرغت النفوس.
جعلونا نعيش لنأكل، لا نأكل لنعيش؛ فصار الطعام استعراضًا بعد أن كان إشباعًا، وإسرافًا بعد أن كان انتفاعًا. وجعلونا نعيش لنلبس، لا نلبس لنستر؛ فصار الثوب عنوانًا للوجاهة، لا غطاءً للكرامة، وصار الجديد فخرًا ولو كان دينًا، والقديم عيبًا ولو كان سليمًا.
أما الصحة، فهي آخر ما نفكر فيه، وأول ما نبكي عليه. نُرهق الجسد لتحصيل المال، ثم ننفق المال لاستعادة الجسد؛ نؤجل الراحة حتى يفرضها المرض، ونهمل العافية حتى تصبح أملًا، ونزدري النعمة حتى تتحول إلى أمنية.
وما أصدق هذه الأبيات:
ما فيه مثل العافية سترٍ وغناة
إن جات للمسلم تراها كافية
كم واحدٍ يطلب ملذات الحياة
وإذا مرض ما يطلب إلا العافية
فالعافية سترٌ بلا قماش، وغنىً بلا نقود، وقصرٌ بلا جدران، ونعمةٌ لا يقدّرها إلا من طرق الألم بابه، ولا يعرف قدرها إلا من سكن الدواء يومه وليلته.
كم من غنيٍّ يملك الطعام ولا يشتهيه، ويملك الفراش ولا يهنأ به، ويملك السفر ولا يقوى عليه. وكم من بسيطٍ لا يملك الكثير، لكنه ينام بلا وجع، ويقوم بلا عجز، ويبتسم بلا دواء؛ فهو أغنى من كثيرٍ من الأغنياء، وأهنأ من كثيرٍ من المترفين.
العافية ليست جزءًا من الحياة، بل هي الوعاء الذي يحمل الحياة. فاحفظوا أجسادكم قبل أن تشكو، وارحموا أعماركم قبل أن تبكي، وخففوا لهاثكم قبل أن تتوقف الخطى.
فليس الغنى كثرة ما تملك، بل قلة ما تحتاج، وليس الستر ثوبًا فاخرًا، بل جسدًا معافى، وليس أجمل الرزق مالًا يُحصى، بل صباحًا تستيقظ فيه ولا يؤلمك شيء.



