قبل نحو خمسين عاماً، حين كنا أطفالاً لم نتجاوز العاشرة من أعمارنا ، كانت الحياة في البراحة بقلعة القطيف مدرسةً مفتوحة، وتعتبر قلب الفريق، نتعلم فيها قيم العمل، والعطاء، والتعاون، والتواصل ، وتكوين صداقات ، من دون أن ندرك أن تلك التفاصيل الصغيرة ستبقى معنا طوال العمر.
ومن صور العلاقات الاجتماعية ، كنا نجتمع أحياناً أمام أحد بيوت الجيران كمجلس ( حسينية) بيت المرحومة أم شوقي الجشي أو أم حسن عيوش، وأحياناً في بيت مليف، الذي كان مشهورين بتوزيع بعض المشروبات الساخنة كالدارسين ( قرفة - لحلو) ، واللومي ، والقروف، والقهوة السوداء “ماكسويل” إن لم تخنّي الذاكرة ، كنا نجلس خارج مجلس العزاء تحديداً على جانب عتبة البيت ، ننتظر إحدى النساء، وربما كانت إحدى أمهاتنا، لتناولنا ما يصلنا و نشربه في فنجال كبير يشبه فناجيل اليوم لكنه أكبر، بطعم لذيذ لا يمكن أن يُنسى.
وكنا نتسابق للذهاب إلى حسينية السدرة صباحاً ، حيث يستقبلنا المرحوم أبو رضي الجشي، الحنون الطيب ، وبعد انتهاء مجلس القراءة ، وأتذكر الخطيب الملا أبو المكارم بصوته الشجي ومعلوماته الغزيرة، كنا ننتظر تلك اللحظة التي لا تُنسى ، توزيع الحليب الساخن في كاسات زجاج، كان العطاء يشمل الجميع، ولا يُستثنى منه أحد، وتعلمنا من ذلك الوقت أن تأخذ نصيبك فقط، ليبقى الخير للجميع.
وفي كل عصرية تقريباً ، إذا اشتهينا الحلوى، ذهبنا إلى مكان صناعتها في فريق السدرة خلف بيتنا مباشرة، أمام بيت عمي المرحوم عبدالكريم وبجوار بيت حجي علي زبران و عمي المرحوم صالح وبيت الهجهوج، ثم صار بيت المرحوم سعيد الحليلي، والذي يقابله بيت آل سيف والقاو وبقيت بيوت المتروك وطناب والقبعة والجشي وبيت نصر بن الشيخ والزاير والعلويات والمصطفى ،والعرادي ، كنا ننتظر حتى تستوي الحلوى، وأتذكرها حمراء، وبعد وضعها في الطشت يبقى جزء منها (اليابس) “الورية” أو “الحكاكة”، فكنا نجهز لها خبزاً أو ورقة من أكياس الأسمنت الداخلي!! ، أو ورق شركة الكهرب ( ورق ابيض مخطط بالاخضر ) ، وأحياناً ورقة من ورقة شجرة اللوز ( قضب) ، وكان حجي عباس رحمه الله ، رغم حدته وانضباطه وصرامته ، كان يعطينا منها مجاناً بحكم صلته بنسب مع أمي المرحومة خديجة مهدي الهجهوج، فكنا نفرح ونفتخر بهذا العطاء.
وفي تلك السنوات، قبل استخدام ( الگاز) الكيروسين ، كان الحطب وجذوع النخيل الوقود الرئيسي لأغلب الخبازين ، كنا مع بعض أولاد الفريق ، نذهب إلى المرحوم سعيد والمرحوم تقي آل سيف، للخباز ، فنساعده في فلق و تقطيع بعض جذوع النخيل بالگدوم ، فيكافئنا بقرص خبز ساخن ، لم يكن يريدا منا العمل لحاجتهما إليه، بل كانا يغرسا فينا قيمة عظيمة ، لا تأخذ شيئاً من دون أن تقدم شيئاً في المقابل ، وهي القاعدة التي أصبحت اليوم من أهم مبادئ بناء القيمة في عالم التسويق.
وحين تخلو جيوبنا من النقود، كنا نبحث عن فرص أخرى ، ومنها نجمع عشر عيدان من أعواد المثلجات “الصبعبلي”، المستخدمة ، وأحياناً نصنعها بأنفسنا بسكين المطبخ، ثم نذهب بها إلى بيت المرحوم أبو سعيد أبو ديب، فيعطينا صبعبلي مقابل الأعواد ، ولا تزال ملامح وجهه الهادئة، وطيب قلبه، حاضرة في ذاكرتي حتى اليوم.
وكنا نتسابق أيضاً لإيصال ما تبقى من الطعام إلى المرحومة نجمة، فنفرح بأي مقابل بسيط ، رمانة، أو بيضة، أو حتى قرشين ، لم تكن قيمة ما نحصل عليه هي التي تسعدنا، بل شعورنا بأننا أنجزنا شيئاً بأيدينا.
وفي إجازة المدرسة الخميس والجمعة، كنا نذهب إلى “الچبرة” عند الشريعة القريبة من بيوتنا، ننتظر سيارات و شاحنات الجح والفاكهة، ونساعد في تنزيل حمولتها إلى الدكاكين مقابل بضعة ريالات، وأحياناً تكون المكافأة جحة نحملها إلى البيت بكل فخر لا ومستانسين بعد .
وأتذكر والدي أبورزاق ، رحمه الله، قبيل المغرب، ينتظر في البراحة أو عند دكان عمي عبدالكريم، بائع ( الگاز) وبعض الأشياء البسيطة ، وصول البحارة ( چلاب السيف ) وهم يحملون صيدهم اليومي ، فإذا وجد لديهم سمكاً يزيد عن حاجتهم اشتراه، وربما اشترى الكمية كلها، ثم يوزعها ، جزءً للبيت و منها على بعض الجيران، ويشوي الباقي على الچولة، ومن حضر شارك في الطعام، وكأن الفريق كله أسرة واحدة.
كل هذه المواقف لم تكن أحداثاً استثنائية، بل كانت تفاصيل عادية في حياتنا اليومية ، لكنها اليوم أصبحت شاهداً على زمن مختلف، كانت فيه العلاقات الاجتماعية رأس المال الحقيقي، وكان التعاون والتكافل والفرح بالأشياء البسيطة أسلوب حياة.
ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله اليوم هو أن نكتب مثل هذه الذكريات قبل أن تتوارى خلف زحام الأيام ، فكثير من المواقف التي نظنها عابرة هي في الحقيقة وثائق اجتماعية تحفظ ملامح الناس، ولهجتهم، وعاداتهم، وأسماء الأماكن، وروح المجتمع.
بعد سنوات، قد لا يبقى من جيلنا إلا ما كتبناه ، وستكون هذه اليوميات نافذة يطل منها الأبناء والأحفاد على حياة لم يعيشوها، لكنها صنعت جزءً من تاريخ هذه الأرض وأهلها.
لذلك، لا تستهين بكتابة المذكرات اليومية، ولو كانت بضعة أسطر ! فقد تكون في نظركم قصة صغيرة بسيطة لاتستحق تدوينها ! ، لكنها في نظر من يأتي بعدكم صفحةٌ ثمينة من تاريخ المجتمع، لا يمكن تعويضها إذا ضاعت.



