تحية خاصة لمن يستوقف هذا النص من الزوجات والأزواج، وأقول للبعض إن الزواج ليس ورقة أو وثيقة عقد فحسب، فالزواج محبة ومودة تُسقى كل حين، ورحمة ترمم ما تدمره وتهدمه السنين.
ولعلها حصيلة وثمرة حياة يومية مشتركة، ومرونة عاطفية، وتجاوز متقن للخلافات. وهنيئًا للأزواج والزوجات بتلك القصص والتجارب الحقيقية ممن وصلوا بسلام إلى اليوبيل الذهبي لزواجهم.
وفي ظلّ صخب الحياة اليومية، يبدو أن الوقت المتاح للتحدث عن نجاح الحياة الزوجية قليل. يحتاج الأزواج إلى الدعم الممكن، حيث لا يخلو أي زواج من التحديات والصعوبات رغم الإمكانات. الزواج شراكة للطرفين، ولا يمكنني أن أملي هنا ما يجب فعله بالضبط، فالناس مختلفون. ومن الصعب في مجتمعنا اليوم إيجاد مساحة للتحدث بصدق ومحبة عن خصوصيتنا.
أهدي هذا النص استثناءً إلى رفيق الخمسين عامًا من الوفاء والمودة والاحترام، إلى زوجي وتاج رأسي، وبمناسبة اليوبيل الذهبي لزواجنا أكتب على استحياء، وأقول أمام زوجي قبل الجميع: إنك فخري وقدري وستري وسري وسعادتي وسكينتي.
لم نحتفل معًا بذكرى زواجنا، لا لشيء، ولكن الزيجات التي تدوم لنصف قرن ليست وليدة الصدفة. تلك الخمسون عامًا ليست أرقامًا في تقويم، هي أنت، ذلك الصباح الذي اعتادت عيني عليه، وأنت السكن الذي لم أغادره منذ أن ارتبطنا.
لقد مررنا بفصول العمر كله معًا، نضحك ونبكي معًا، ونتقاسم التعب والمسؤولية، ونحترم بعضنا بعضًا.
قد يظن البعض أنني أحيك وأروي قصة خيالية، ولكن نحن خمسون عامًا من الواقع التي أثبتت أن الزواج الناجح، وإن لم أعدّه مثاليًا، ليس بأسطوري! وكأن الله سبحانه وتعالى قد خلقنا لنكمل حياتنا معًا ولنسعد بعضنا بعضًا. يكفيني أنك تناولني فنجانًا من القهوة دون أن أطلبه منك.
فالمشاعر لم تكن اختيارًا، ولكنها انعكاس لحياة تقاسمنا فيها كل تفاصيلنا، حيث نصف قرن من الزمن قد يكون كافيًا ليحفظ كلانا تفاصيل الآخر، وقد كانت رحلة نتقاسم الروح ذاتها.
صمتنا الطويل لم يعد فراغًا، بل لغة خاصة وحديثًا مفهومًا لا يدركه سوانا. هناك تكفي نظرة واحدة لأطمئن أننا ما زلنا نقف معًا على الضفة الآمنة!
وعليّ أن أقول ذلك، ولكن في عيني زوجي اليوم أقرأ كل الحكايات التي لم تُروَ، وفي هذا العمر، ومع تجاعيد وجهه، أرى خارطة عمري. لقد أيقنا معًا أن الحب الحقيقي ليس الذي يبقى في ربيع العمر فحسب، بل كالنخلة الشامخة التي تظللنا حين تشتد علينا رياح الخريف.
نصف قرن من الزمن لم يكن مجرد سنوات مرت، ولكن فصولًا من «حكاية واحدة خُطّت حروفها بمداد الصبر والرضا». مضت خمسون عامًا كطيف خاطف لحلم عشناه معًا، وتجعدت الأيادي وابيضّ الشعر، ولكن الحب والاحترام قد تضاعفا في ثناياه.
ما زلت أذكر يوم زواجنا، واليوم أدركت أن زوجي هو السلام الذي أجده حين أستند إلى كتفه بعد كل هذه العقود الخمسة، وما زالت يدي في يده، نتقاسم الأيام بحلوها ومرها، وكأننا التقينا بالأمس فقط، ولم نفترق يومًا، ولم نعد بحاجة إلى الكلام لنجسد ونترجم محبتنا.
خمسون عامًا لم أرَ منك إلا كل ما يسعدني.
خمسون عامًا لم أسمع منك كلمة تجرحني أو تكسرني.
خمسون عامًا وأنت تلهمني وتعلمني معنى السكن الحقيقي.
خمسون عامًا وأنت تثبت لي أن الحب هو الاحترام الذي لا يصدأ.
خمسون عامًا وأنت تعاملني كملكة في بيتي وأنت تاجي.
لم نعد بحاجة إلى الكلمات لنتحدث بها عن الود؛ فالتجاعيد التي حفرها الزمن على وجهينا معًا هي أوسمة شرف لرحلة نجاح وكفاح مشتركة.
في كل شعرة بيضاء قصة محبة وسلام واحترام لا تنتهي، وإيمان عميق بأن أجمل أيامنا لم نعشها بعد، وأن ما تبقى من العمر سنكمله معًا كما بدأناه، إذا كان للعمر بقية.
باختصار، نحن في غاية الرضا والقناعة. لقد كانت، ولا تزال، رحلة هادئة ومذهلة، مليئة بالاحترام واللحظات السعيدة، وبكل بساطة رائعة.
أحببنا بعضنا في السراء والضراء، ولم ننسَ عهودنا أمام الله وأنفسنا بالوفاء بها، وعلاقتنا معًا تزداد سلامًا واحترامًا وروعة يومًا بعد يوم.
والخلاصة هنا، أن الزيجات السعيدة لا تحدث ولا تقام وتستقر أو تقوى من تلقاء نفسها، فأحد أكبر أسرار الزواج السعيد والمديد هو أنه يستغرق الكثير من الوقت والجهد.
انظر إلى الأزواج المفضلين لديك، أولئك الذين يسعدون بعضهم دائمًا ويحب بعضهم بعضًا، والذين ظلوا معًا طويلًا. هل تظن أنهم نجحوا هكذا صدفة أو تلقائيًا، دون جهد، ودون تضحية، ودون تنازلات؟
وأيضًا، إن سر الزواج الناجح هو أن يحب الزوجان ويحترم بعضهما بعضًا. هل هناك زواج يقوم ويدوم على شيء آخر غير الحب والاحترام؟ مثل ماذا؟ الاهتمام؟ المال؟ الأطفال؟ الراحة؟ الخوف من الوحدة مثلًا؟ رغم أن في بعض الزيجات عوائق وعقبات وصعوبات في الطريق!
وأخيرًا،
الحديث بهذا الشأن دومًا ذو شجون، وما كتبته عنك هنا، أيها الإنسان المحترم، لا لأمدحك، ولكن لأشهد، وعن يقين تام، أن الرجولة موقف، وأن العمر حين يُقضى مع المحترمين والأكفاء أمثالك تصبح الحياة سعيدة، وتصبح أعمارنا معًا مباركة وموفقة ومستمرة.
شكرًا لأنك زوجي وصديقي. شكرًا لأنك جعلتني أدرك أن الزواج ليس أن نعيش مع بعض فقط، ولكن أن لا نتخيل الحياة دون بعض.



