بعد نشر مقالي عن الحوي في البيت القطيفي التقليدي، أسعدتني المداخلات التي أثرت الحوار، وكان من أجملها تعليق للأستاذ السيد علوي الخباز، وهو أحد القامات المجتمعية التي أكن لها كل التقدير، وهو ممن تعلمت منهم الكثير، واستفدت من ملاحظاتهم في تتبع مفردات العمارة التقليدية وتاريخها.
كتب قائلاً:
«وأين العگد؟»
لم يكن السؤال عنصراً معمارياً فحسب، بل كان مدخلاً للتأمل في قضية أوسع، وهي أن العمارة التقليدية ليست مجموعة من الأسماء المتوارثة، وإنما منظومة معرفية متكاملة، لكل مفردة فيها قصة، ولكل مصطلح دلالة، ولكل جزء وظيفة ارتبطت بالإنسان والبيئة والمجتمع.
توقفت عند السؤال، لا لأبحث عن إجابة سريعة، بل لأراجع رحلتي مع هذه المفردات. فمنذ سنوات وأنا أدوّن ما أستطيع الوصول إليه، وأحاور كبار السن، وألتقي بالبنّائين والحرفيين، وأستفيد من الباحثين والمهتمين، ومنهم أخي أحمد هجلس، والمرحوم الأستاذ سعيد الشيخ فرج العمران، والمرحوم الحاج عبدالرسول المصطفى، والأستاذ منصور الزاير، والأستاذ كمال الزاير، وغيرهم ممن حملوا جزءاً من ذاكرة المكان.
ورغم ذلك كله، ما زلت أرى أن بعض المصطلحات المعمارية المحلية لم تنل حقها من الدراسة والتحليل. فما نملكه أحياناً هو الوصف، بينما ما نحتاج إليه هو الفهم؛ فهم يفسر أصل التسمية، ووظيفة العنصر، وعلاقته ببقية أجزاء البيت، وتحولاته عبر الزمن.
وهنا أؤمن بأن الباحث لا يقاس بعدد ما يعرف، وإنما بقدرته على التمييز بين ما يتيقنه، وما يزال يبحث عنه. فالاعتراف بأن المعرفة لم تكتمل ليس نقصاً في الباحث، بل هو احترام للعلم، ووفاء للحقيقة.
ولهذا فإنني أتعامل مع كل مقال أنشره على أنه دعوة للحوار، لا إعلان عن نهاية البحث. فما أكتبه هو اجتهاد قابل للإضافة والمراجعة والتصويب، لأن توثيق التراث مسؤولية جماعية، لا يمكن أن ينهض بها فرد مهما بلغت خبرته.
ومن هنا، فإنني أجدّد دعوتي لكل من يمتلك معلومة موثقة، أو تعريفاً دقيقاً، أو رواية يمكن الاستناد إليها، أن يشارك بها. فالمعرفة لا تتسع إلا بالمشاركة، والتراث لا يُحفظ إلا إذا اجتمعت عليه العقول قبل الأقلام.
ولعل ما يحتاجه الباحث أكثر من كثرة المعلومات هو ثقافة الحوار. فليس كل اختلاف خطأ، وليس كل رأي مخالف نفياً للحقيقة. إنما تتقدم المعرفة حين نتبادل الأسئلة، ونختبر الأدلة، ونناقش الأفكار باحترام، بعيداً عن ادعاء امتلاك الحقيقة أو مصادرة اجتهاد الآخرين.
وما زلت أتعلم، وأقرأ، وأستمع، وأتواصل مع الباحثين والمعماريين في المملكة والخليج والوطن العربي، لأنني على يقين بأن التراث أكبر من أن يحيط به شخص واحد، وأعمق من أن يُختزل في رأي واحد.
ويبقى أجمل ما في رحلة البحث، أن تظل أبوابها مفتوحة، وأن يبقى السؤال بداية معرفة جديدة، لا نهاية لحوار.



