قد نندفع في كثير من الأحيان لحلّ مشاكلنا نحو الأبواب المؤصدة لفتحها بكل ما أوتينا من قوة، ظانين أن الفرج والحل يقف خلف ذلك الباب فندفعه ونركله وندعّه، ونتفاجأ بأن ما نبحث عنه لم يكن في هذا الاتجاه بل يكمن في مكان آخر لا يبعد عنا بمسافات، ولكننا أوصدنا كل الاحتمالات وألغينا دراستها والبحث فيها عن الحلول وسرنا باتجاه واحد متعامين عن الاتجاهات الأخرى، ولعل العامل النفسي وهو الإصرار والاقتدار فهمناه بنحو خاطيء، فليست كل الأمور المعقدة والمتشابكة والمغلقة يمكن فتحها وهزيمتها بالتسلّح بالإصرار الأعمى، فالحياة - وإن كانت ميدان وساحة مواجهة مع الصعاب والعراقيل والأزمات -، لكنها تبرز بقدر كبير كمحطة اختبار لقدراتنا العقلية ومساحة فهمنا العميق لطبيعة الأشياء واتجاهاتها والعوامل المؤثرة فيها أولا، ومن ثَمّ تبدأ مرحلة ثانية من الاختبار بشكل عملي لما نملكه من طاقات وقدرات وإرادة جدية، تتبلور على شكل خطة مدروسة في أهدافها وتطلعاتها ومخرجاتها عند التنفيذ على أرض الواقع.
وكثيرا ما نسير خلف الظنون والصور الوهمية التي تترسّخ في أذهاننا عن كيفية حل المشكلات والاتجاه في معالجتها، فنحسب أن طريقة تكرار المحاولة بنفس المعطيات وطريقة العمل والأداء قد توصلنا إلى نتائج مختلفة مثلا، أو أن زيادة الضغوط بمستويات أعلى قد تعطي مفعولا مقبولا ومرضيا أفضل من المستويات المتدنية أو القليلة من الضغوط النفسية، والحقيقة أن المشكلة لا تبرز في مديات وقوة الفعل الصادر منا وتباينه بين شخص وآخر، بقدر ما هو غياب الفهم والوعي بطريقة الفعل ذاتها وأدوات الحل والاحتمالات المطروحة ودوران حركة الفكر بين المجاهيل ودراسة تأثيراتها.
إن ما يبدو مغلقا أمامنا بسبب تصورات خاطئة أو قرارات متسرعة أو اندفاعات انفعالية قد يكون مفتوحا في الأصل، لكن ليس من تلك الجهة التي ننظر إليها ونركز جهودنا نحو معالجتها بل من جهة لا نلتفت إليها وأهملناها من حساباتنا وجهودنا، ولعل هذا الإخفاق يحمل رسالة إيجابية لنا وعلينا قراءتها والتمعّن فيها، وهي أن لا تتحوّل تلك التجربة التي خضناها بعين وقدم واحدة عندما أعمينا وأغفلنا دراسة فتح مختلف الأبواب والاتجاهات الممكنة، بل هي فرصة لإعادة النظر في طريقة تفكيرنا وزاوية الرؤية الأحادية للأمور، فالتجارب الناجحة لا تركز على الفعل بذاته ولا توجهنا إلى زيادة القوة والاندفاعية، بل توجّهنا إلى تغيير الاحتمال والاتجاه وطريقة التعامل بعد دراسة مختلف العوامل والاتجاهات.
ولعل هذا الفهم في حل المشكلات والظروف الحياتية الصعبة التي نمر بها، حيث نستبدل فكرة زيادة مستوى القوة بفكرة ناجحة وهي تغيير الاتجاه والاحتمال في منطقة بحث أخرى، يساعدنا كثيرا في تجاوز المشاكل والخلافات الزوجية والأسرية والاجتماعية والدراسية والمهنية، فندرس الواقع بكل اتجاهاته واحتمالاته دون إغفال أو تعمية بعض المسارات، فالحل الممكن والمرضي الذي نبحث عنه قد يكون في الجهة الأخرى المخالفة تماما للباب الذي نطرقه بقوة.



