كنت أعمل في بداياتي الوظيفية، بمستشفى أرامكو قسم الأشعة لمدة خمس سنوات، وكنت أرى أشعة الكسور على الشاشة، بأرقام وخطوط بيضاء وتقرير مبهم لا أدركه وأنا أرتشف قهوتي، ومن خلف الشاشة كنت أظن بإني أفهم، وأحيانا أقول للمريض لو قابلته بإن الكسر بسيط إن شاالله وأنا بكامل عافيتي. وعندما انكسرت قدمي وفي زمن الكورونا حيث الجبس ثقيل والوجع على العظم أثقل! وكإن القدر يؤنبني ويذكرني بألا أحكم على وجع الغير، إلا أذا مررت بذات التجربة شخصيا. ولكن لطف الله وإن تأخر قادر أن يجبر تلك الكسور.
سأتناول في هذا النص تصوير وتجسيد الوجع الجسدي والنفسي، والعلاج الطارئ بغية التعافي. من خلال تجربتي عند إنزلاقي على الأرض وإنكسار قدمي والتي حدثت في فترة الكورونا والتي أعدها تجربة مريرة نوعا ما! حين التقى الكسر بالعزل، لم تكن العزلة التي فرضها العالم في زمن الوباء، سوى مقدمةٍ لواقعٍ أكثر قسوة، ومن ناحيتي شخصيا، حيث تحول منزلي إلى سجنٍ كبير، وتحولت قدمي المكسورة فيه إلى شاهدٍ صامت على مفارقات القدر، شعرت حينها كإن الجبس تابوت أبيض، يحميني ويخنقني بذات الوقت.
لم أكن أفكر خلال تلك الفترة في الكتابة لكوني موجوعة للغاية، ولإن ذهني كان مشغولا ببعض الأخبار المقلقة والمؤرقة والمتضاربة أحيانا، وذلك بشأن ذلك الوباء! إلا إنني وجدت حينها الكتابة هي من تسعى إلي لتبعدني عن الروتين اليومي، وتخفف عني وطأة الحرمان من لقاء الأحباء، وتمنحني رئة ثالثة أتنفس بها هواء نقي والتي أسميتها زنزانتي الإنفرادية. وأنا ممتنة لها بقدرتي العظيمة على تحمل العزلة لمدة ليست بالقصيرة! قد أكون حطمت بها الرقم القياسي، والذي تجاوز سنة و أربعة أشهر متواصلة دون أن أتجاوز عتبة منزلي لعدم قدرتي على الحركة.
بدأت التجربة في ذلك المساء الباهت بعد فترة من الحجر الصحي المنزلي للكورونا. وكان العالم لا يزال يغلق أبوابه خوفاً من تفشي الفايروس أكثر، كنتُ على موعد مع خطأ حركي بسيط غيّر مسار أيامي، حيث تهاوت خطواتي في عثرة غير محسوبة أثناء استعدادي للصلاة، لتنقسم حياتي إلى نصفين، نصف يجاهد ويكافح للبقاء متوازنة مستسلمة في ظروف تحكمها الإجراءات الوقائية، والنصفٌ الآخر مثقلٌ بجبسٍ أبيض ثقيل كنت أعده قفص قيد حركتي لتصبح قدمي المكسورة حينها إلى نقطة العجز مؤقتا، وتصبح الحركة بالنسبة لي حلماً مؤجلاً! تلك اللحظة إنقلب كل شيء وأصبحت بين أربع جدران وسرير. وكأن الحياة توقفت فيها عقارب الزمن، حيث وُلِدَت حكايتي مع العجز الشخصي المؤقت بالكسر المضاعف الذي صادر راحتي وقد سلب نومي.
لقد تحول سريري الطبي إلى عالمي الوحيد، وأصبحت الأيام ثقيلة وبطيئة. وكان النوم متقطع، وأصبح الليل أطول من النهار حيث الوجع بدوام كامل. وكان الهدوء يلف أركان المنزل، وجدتُ نفسي أسيرة داخل سجن مزدوج، جدران تمنعني من الخروج إلى أي مكان وجبسٌ يمنعني حتى من التنقل و التجول داخل البيت وإذا نهضت من سريري فالعكاز سلاحي الآمن، ولكن علمتني هذه التجربة إن الحرية ليست في القدرة على المشي والحركة، بل في القدرة على السلام والتوازن الداخلي والرضا في هكذ ظروف. وكنت أستخدم العكاز في كل خطوة حتمية ببطء وحذر شديد، لم يكن الأمر سهلاً، فقد تخللت تلك الفترة لحظات من الإنكسار والعجز، رغم وقوف زوجي الدائم معي في كل لحظة كان أثناء ذلك هو سندي الوحيد! وكانت الكتابة والقراءة ومشاهدة الأخبار في بعض الأحيان الملاذ الوحيد الذي يشعرني بالأمان والوجود، ومع وجود وقت طويل للكتابة، غير إن الضغط الناجم عن وجع الكسر والعزلة لم يساهما كثيراً في إلهامي للكتابة كما يجب.
وبعد فترة مريرة قاسية، بدأ الوجع والتورم يُزال ويتعافى ببطئ شديد تدريجياً، وبدأتُ أخطو خطواتي الأولى نحو استعادة توازني وعافيتي، وفي ذات الوقت، شعرت إن كسر القدم ليست مجرد أزمة جسدية عابرة! حيث كنت أدرك أن كل كسر في الجسد أو في الحياة، ما هو إلا بداية جديدة لأمل يتسرب من شقوق هذا الوجع والمعاناة. تفرض على المرء مواجهة حركة محدودة وقوة تحمل وصبر فوق الإستثناء، ولعلنا ندرك النعم الخفية! حيث كل خطوة لغيري كانت ذكرى لي، وحينها تعلمت إن الوجع ضيف ثقيل يدخل فجأة ويبقى في العظم، وتعلمت أيضا معنى العجز.
وأخيرا، إن أصعب الكسور ليست التي نراها في الأشعة، بل حين ينكسر أحدنا ولا يراه أو يسمع أنينه أحد! حينها يبقى صاحب الكسر مكسورا مرتين! ومع هذا وذاك، أجزم تماما إن الكسر الذي معي قد مضى، وأصبح درسا لا هزيمة.



