12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

العبودية بشكل جديد

في زمنٍ صار فيه القماش قرارًا، واللون إعلانًا، والشكل سلطانًا، وجد الإنسان نفسه يسير لا كما يريد، بل كما يريد له السوق أن يسير؛ يلبس ما يُعرض، ويشتري ما يُفرض، ويستحي من قديمٍ ما زال جميلًا، ويجري خلف جديدٍ قد لا يكون أصيلًا.

يخططون، ويصنعون، ويعرضون، ويبيعون، ثم يقولون لنا: هذا موضة، وذاك انتهى وقته، وهذا جديد، وذاك قديم. وما علينا إلا أن نفتح الجيوب، ونغلق العقول، ونركض خلف الرفوف كأننا لا نختار بل نُقاد، ولا نقرر بل نُستقاد.

فهل صارت الموضة ذوقًا؟ أم سوقًا؟ هل هي تجديدٌ للحياة؟ أم تقييدٌ للإرادة؟ هل هي ثقافة جميلة؟ أم تجارة طويلة؟ أم تحكم خفيٌّ في العيون والظنون والجيوب والقلوب؟

بنتٌ تستحي أن تلبس الفستان مرتين، وكأن الكرامة تُقاس بعدد الفساتين، لا برقي السلوك وحسن التكوين. وشابٌ يطارد “الهبة”، لا لأنها تناسبه، بل لأن الناس تراقبه؛ يخاف من تعليقٍ عابر، وسخريةٍ عابثة، ونظرةٍ ناقصة، فيلبس ما لا يحب، ويشتري ما لا يحتاج، فقط كي لا يقال: تأخر عن الركب، أو خرج عن السرب.

ولم تقف الموضة عند الثياب؛ بل دخلت السيارات والجوالات والساعات والحواسيب، فصار الجديد يُولد قبل أن يشيخ القديم، وصار الجهاز يعمل بكفاءة، لكن صاحبه يستحي منه كأنه عيب لا أداة، وكأن القيمة في اللمعة لا في المنفعة، وفي الاسم لا في الاستخدام.

إن المشكلة ليست في أن نلبس الجميل، ولا في أن نحب الأنيق، فالله جميل يحب الجمال؛ ولكن المشكلة أن يتحول الجمال إلى استعباد، والذوق إلى إنفاق، والتجديد إلى تبديد، والمظهر إلى مقياس للناس.

العاقل لا يكون عبدًا للماركة، ولا أسيرًا للواجهة، ولا تابعًا لكل ناعق في السوق. يشتري لحاجته، لا لخوفه؛ ويلبس لراحته، لا لرهبة الناس؛ ويجدد بعقل، لا بجنون؛ ويقول للموضة: أنتِ زينة إن خدمتِني، وعبودية إن حكمتِني.

نحن لا نحتاج أن نكره الجديد، بل نحتاج أن نحرر عقولنا من تقديسه. ولا نحتاج أن نترك الأناقة، بل أن نمنعها من سرقة القناعة. فليس كل قديمٍ قبيحًا، وليس كل جديدٍ صحيحًا، وليس كل منتشرٍ معتبرًا.

إلى أين نحن متجهون؟ إلى طريقين لا ثالث لهما: إما وعيٌ يملك السوق، أو سوقٌ يملك الوعي. ومن جعل عقله في يد الموضة، صار جسده لوحة إعلان، وجيبه محطة استنزاف، وروحه أسيرة تصفيق الناس.

فكن أنيقًا بلا إسراف، ومتجددًا بلا انجراف، وجميلًا بلا استعباد؛ فالحر لا يلبس ما يفرضه الناس، بل يلبس ما يليق بعقله وقيمته ومقامه.


error: المحتوي محمي