تخيل أنك باحث جاء بعد مئة عام، ولا تعرف عن القطيف شيئًا، وقيل لك، هذه مكتبة ضخمة تضم مقالات ذلك الزمن، اقرأها، ثم اكتب منها عن تاريخ المجتمع، بكل براءة، قلت في نفسك، ممتاز، الأرشيف لا يكذب، والمقالات أقرب شيء إلى حياة المجتمع.
بدأت القراءة، أول مقال عن العقوق، والثاني عن الطلاق، والثالث عن ضعف العلاقات الاجتماعية، والرابع عن قلة احترام الكبير، والخامس عن اختفاء الهيبة، والسادس عن تراجع القيم، والسابع عن الجيل الضائع، والثامن عن ظاهرة خطيرة، والتاسع عن كارثة اجتماعية، والعاشر عن ناقوس الخطر، والحادي عشر عن خطر يزداد، والثاني عشر عن خطر ما زال يزداد.
بعد نصف ساعة فقط، أغلقت اللابتوب، وأخذت نفسًا طويلًا، وقلت، يا ساتر، كيف بقي أحد حيًا في هذه المدينة، ثم بدأت أكتب ملاحظاتي بكل ثقة، يبدو أن أهل القطيف كانوا يبدأون صباحهم بالعقوق، وبعد الإفطار يدخلون في خلاف اجتماعي، وقبل الظهر يناقشون ضعف العلاقات، وبعد الغداء مباشرة يحجزون موعدًا للطلاق، وفي العصر يتفرغون لانهيار القيم، وبعد المغرب يحضرون ندوة عن الجيل الضائع، ثم ينامون استعدادًا لمشكلة جديدة في صباح اليوم التالي.
لكن فجأة توقفت، وقلت، لحظة، ومتى كانوا يذهبون إلى أعمالهم، ومتى كانوا يدرسون، ومتى كانوا يبنون بيوتهم، ومتى كانوا ينجحون في تجارتهم، ومتى كانوا يتطوعون، ومتى كانوا يؤسسون الجمعيات، ومتى تخرج كل هؤلاء الأطباء والمهندسون والمعلمون، بل السؤال الذي حيرني أكثر، متى تزوجوا أصلًا إذا كانت المقالات كلها عن الطلاق، بل كيف أنجبوا هذا الجيل الضائع إذا كانوا مشغولين طوال الوقت بالطلاق.
ولأن الباحث الحقيقي يحب الدقة، فتحت الفهرس، بحثت عن التكافل الاجتماعي، فلم أجد، بحثت عن قصص النجاح، فلم أجد، بحثت عن المبادرات التطوعية، فلم أجد، بحثت عن المتفوقين، فوجدت القليل، بحثت عن الاختراعات، فوجدت أقل، بحثت عن رواد الأعمال، فوجدت أقل من ذلك، بحثت عن احترام الجار، فلم أجد، بحثت عن صلة الرحم، فلم أجد، عندها قلت في نفسي، واضح أن أمين المكتبة نسي يحط المجلد الإيجابي.
لكن الباحث الحقيقي لا يحكم من خلف الشاشة، فقلت، سأزور القطيف بنفسي، وصلت، فإذا بالمجالس عامرة، والناس يسلمون على بعض، والشباب يتطوعون، والجمعيات تعمل، والطلاب يتخرجون، والمبادرات في كل مكان، والحياة تمضي بصورة طبيعية جدًا.
وقفت قليلًا، ثم نظرت إلى المدينة، ثم عدت أنظر إلى الأرشيف، ثم قلت، واضح أن القطيف نفسها لم تقرأ بعض المقالات.
وهنا بدأت أفكر، ليس لأن الأخطاء غير موجودة، فلا يوجد مجتمع يخلو من العقوق، أو الطلاق، أو الخلافات، أو أي سلوك سلبي، فهذه طبيعة البشر، لكن هل هذه هي الصورة كلها، أم أنها جزء من الصورة فقط.
فالكلمة المكتوبة لا تعيش يومًا أو يومين، بل قد تعيش مئة عام، وقد يأتي باحث لا يعرف عن القطيف شيئًا، فيبني فكرته كلها من خلال ما تركناه له على الورق، لا من خلال ما عشناه نحن.
ثم خطر في بالي سؤال بسيط، إذا كانت السلبيات تجد طريقها إلى المقالات بهذه السهولة، فأين الوجه الآخر للقطيف، أين قصص التكافل، وأين المتطوعون، وأين الجمعيات الخيرية، وأين المتفوقون، وأين المبتعثون، وأين المخترعون، وأين رواد الأعمال، وأين الأسر التي تبني أبناءها على الاحترام، وأين آلاف المواقف الجميلة التي نراها كل يوم ثم تمضي بصمت لأنها ليست مشكلة.
أليست هذه أيضًا جزءًا من تاريخ القطيف، بل أليست هي الجزء الأكبر من حياتها، فلا أحد يطالب بأن نتوقف عن نقد الأخطاء، فالنقد الصادق ضرورة، وهو أحد أسباب تطور المجتمعات، لكن كما أن الخطأ يستحق أن يكتب عنه، فإن الخير يستحق أيضًا أن يوثق، حتى لا يقرأ من يأتي بعد مئة عام نصف الحكاية فقط.
وأحيانًا أشعر أن الإنجاز مظلوم، يأتي بهدوء، ويغادر بهدوء، بينما المشكلة تدخل المسرح ومعها الإضاءة، والعنوان الكبير، والتعليقات، فتخطف الاهتمام كله.
ولو تخرج ألف طالب، أو نجحت عشرات المبادرات، أو حققت جمعية إنجازًا، فقد لا تثير الضجيج الذي يثيره تصرف فردي واحد، مع أن الأول هو الذي يمثل المجتمع أكثر من الثاني.
ولذلك، ربما لا يحتاج التاريخ إلى أن نكتب عن الأخطاء أقل، بل يحتاج فقط أن نكتب عن الوجه المشرق أكثر، لأن الباحث بعد مئة عام لن يعيش بيننا، بل سيعيش بين ما كتبناه، ولو كتب تاريخ القطيف من بعض المقالات وحدها، فلن يظلم أحدًا أكثر من الحقيقة نفسها.



