قال الإمام الحُسين (عليه السَّلام): «البَخِيلُ مَنْ بَخِلَ بِالسَّلامِ».(1)
حين نسمع كلمة البخل، يتجه الذهن مباشرةً إلى المال، فنظن أن البخيل هو من يمنع ماله عن المحتاجين، أو يمسك يده عن العطاء. لكنَّ مدرسة أهل البيت عليهم السلام توسِّع هذا المفهوم، لتكشف لنا أن البخل لا يقتصر على المال، بل قد يكون في أبسط المواقف اليومية، وأيسرها كلفة.
ولهذا قال الإمام الحُسين (عليه السلام): «البَخِيلُ مَنْ بَخِلَ بِالسَّلامِ»؛ لأن السلام عطاءٌ لا يُنقص مالًا، ولا يحتاج إلى جهد، ولكنه يترك أثرًا عظيمًا في القلوب.
إن إلقاء السلام ليس مجرد كلمة تُقال، بل هو رسالة طمأنينة، وإعلان محبة، وجسرٌ يصل بين القلوب. فمن يبدأ الآخرين بالسلام كأنه يقول لهم: أتيتكم بقلبٍ خالٍ من الأذى، ومحمَّلٍ بالمودة والاحترام. ولهذا تحمل كلمة السلام طاقةً إيجابيةً تبعث الأنس في النفوس، وتزيل وحشة اللقاء، وتكسر الحواجز بين الناس، وتنشر مشاعر الأمان والألفة، حتى يصبح المجتمع أكثر دفئًا وتماسكًا.
ولذلك لم يجعل الإسلام السلام مجرد تحيةٍ تُقال، بل جعله مفتاحًا لكل حوار، وبدايةً لكل لقاء. فالسلام هو افتتاحية الخير، وعنوان الإيجابية، وأدبٌ يسبق الكلام. وقد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): «مَن بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه»، وقال أيضًا: «ابدؤوا بالسلام قبل الكلام، فمن بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه»(2). ففي هذا التوجيه النبوي تأكيدٌ على أن السلام ليس عادةً اجتماعية فحسب، بل خُلُقٌ إسلاميٌّ رفيع، يُهيئ النفوس للتواصل، ويزرع الألفة قبل تبادل الكلمات.
ومن يعتد هذه الخُلق الكريم، فإنه يجني ثمارًا كثيرة؛ فهو يكسب محبة الناس وودَّهم، ويعيش راحةً نفسيةً تنبع من نشر الخير، كما ينال الأجر والثواب عند الله تعالى. ومن آثار السلام أيضًا أنه يزرع التواضع في النفس، ويقوِّي روابط الأخوَّة، ويُذهب ما في القلوب من جفاء، ويجعل صاحبه محبوبًا قريبًا من الناس.
وفي المقابل، لم يكتفِ الإسلام بالأمر بإلقاء السلام، بل دعا إلى إكرام صاحبه بحسن الرد، فقال سبحانه:
﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾
[سورة النساء: 86].
فردُّ السلام ليس واجبًا فحسب، بل هو فرصةٌ لإظهار حسن الخلق. فالردُّ بابتسامةٍ صادقة، وصوتٍ بشوش، وكلماتٍ أجمل، يُشعر الطرف الآخر بقيمته ومكانته، ويزيد المحبة بين القلوب، ويجعل اللقاء أكثر دفئًا وأثرًا.
إن المجتمعات المتحابة لا تُبنى بالكلمات الكبيرة وحدها، وإنما تُبنى أيضًا بهذه الأخلاق اليومية البسيطة التي تبدو صغيرةً في ظاهرها، لكنها عظيمةٌ في أثرها.
فلنكن كرماء بالسلام، كما نحب أن يكون الناس كرماء معنا؛ فالسلام عنوانُ المجتمع المتحاب، وبوابةُ القلوب إلى المحبة والوئام، وأولُ طريقٍ إلى بناء العلاقات الطيبة بين الناس.
الهوامش:
1 ) تحف العقول.
2 ) كتاب وسائل الشيعة ج 12 ص 54 ـ 78



