كلما فكرت في الكتابة عاد إلي السؤال نفسه لماذا نكتب
أحيانًا أقول لأن لدينا أفكارًا نريد أن نقولها وأحيانًا لأننا نريد أن نترك أثرًا أو نشارك الناس بما نعرف لكنني كلما فكرت أكثر شعرت أن هذه ليست إلا أسبابًا تأتي بعد السبب الأول
أشعر أن الإنسان لا يكتب لأن لديه ما يقوله بل لأن في داخله ما يريد أن يخرج
وليس شرطًا أن يكون هذا الشيء حزنًا أو فرحًا قد يكون مجرد شعور لا نستطيع أن نفسره أو ضيقًا لا نجد له اسمًا أو سؤالًا يرافقنا منذ سنوات ولا يزال بلا جواب
والغريب أننا لا نكتب عنه دائمًا بشكل مباشر قد نكتب عن شارع قديم أو عن كتاب أو عن موقف عابر أو حتى عن شخص آخر ومع ذلك يكون الذي يتكلم في الحقيقة هو ذلك الشيء الذي نحمله في داخلنا
لهذا كثيرًا ما أفكر أن كل كتابة هي نوع من الفضفضة لكن ليس بالمعنى الذي اعتدناه فالفضفضة ليست أن تحكي ما حدث لك فقط بل أن تخرج شيئًا من داخلك بأي صورة كانت
وربما لهذا السبب لا يستطيع الإنسان أن يخفي نفسه في الكتابة مهما حاول سيظهر في كلماته وفي طريقته وفي الأشياء التي يختار الحديث عنها وحتى في الأشياء التي يتجنبها
ولعل هذا ما يجعل بعض النصوص تلامسنا دون أن نعرف السبب نحن لا نحبها لأنها جميلة فقط بل لأننا نجد فيها إنسانًا يشبهنا أو شعورًا مررنا به يومًا
وربما يسأل أحدهم ماذا نستفيد من الكتابة
لا أظن أن فائدتها دائمًا فيما يقرؤه الناس بل فيما تفعله بنا نحن فالكتابة ترتب شيئًا من الفوضى التي في رؤوسنا وتجعل الأفكار أكثر وضوحًا وأحيانًا تمنحنا إجابة لم نكن نعرف أننا نبحث عنها
وأظن أن الكاتب أول من يستفيد من كتابته فالكتابة لا تغير العالم دائمًا لكنها كثيرًا ما تغير صاحبها وتجعل أفكاره أكثر وضوحًا وتخفف شيئًا من الحمل الذي كان يحمله بصمت
لهذا عندما يسألني أحد لماذا نكتب لا أبحث عن جواب كبير بل أقول إن الإنسان لا يستطيع أن يحتفظ بكل ما في داخله إلى الأبد فلا بد أن يخرج شيء منه يومًا
وربما لهذا لسنا نكتب ما بداخلنا بقدر ما نكتب بما بداخلنا وبين العبارتين فرق كبير فما نكتبه ليس مشاعرنا نفسها بل الأثر الذي تركته فينا
ولذلك كل كلمة صادقة تخرج من الإنسان هي شكل من أشكال الفضفضة حتى وإن بدا أنه كان يتحدث عن أي شيء سوى نفسه…



