13 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

صور اجتماعية من عاشوراء (2)

يفقد الواحد منا فقيدًا عزيزًا؛ أبًا، أو أمًّا، أو أخًا، أو أختًا، كبيرًا كان أو صغيرًا، فيقيمون مجالس الفاتحة (العزاء) المعتادة في المنطقة لروح الفقيد ثلاثة أيام (للرجال)، وخمسة أيام (للنساء). فيوافق أن تتخلل هذه الأيامَ ذكرى استشهاد أو ولادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أو أحدٍ من أهل بيته عليهم السلام، فتُرفع (توقف مؤقتًا) فاتحة فقيد العائلة العزيز، تقديمًا لأولوية مناسبات وذكريات أهل البيت عليهم السلام؛ ذكرياتِ مواليد كانت، أو ذكرياتِ شهادة.

في ذكرى الشهادة يذوب الحزن الشخصي الخاص في ذكرى المصيبة الأعظم والأولى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾، أما في مناسبات أفراح أهل البيت عليهم السلام؛ فهي مقدَّمة على الأحزان الشخصية، هكذا يرى الناس أنفسهم مصداقًا للآية الشريفة.

تمرّ ذكريات الطاهرين، فتُسلي الفاقد عن فقده الشخصي، ويذوب حزنه الخاص في بحر الحزن الأكبر الأقدس.

يأتي الناس في مجالس الفاتحة لتسلية الفاقد بين خطيبٍ يفتتح بقصائد من قبيل:

حُكمُ المَنِيَّةِ في البَريَّةِ جَارِ
مَا هذهِ الدُنيَا بِدَارِ قَرارِ
لا تأمَنِ الأيامَ يَوماً بَعدَما
غَدَرَت بِعِترةِ أحمدَ المُختَارِ

ويختتم بأبيات من الشعر الشعبيّ من قبيل: “كل المصايب هوّنتها مصيبة حسين”.

وبين هذا الخطيب والمعزّين الذين يبادرون بالتعزية بعبارات من قبيل: “لا خوف على الفقيد.. مع محمد وآل محمد”، يتسلى الفاقد، وتسكب عليه هذه العبارات ومثيلاتها ماء السلوة، وتغسله بكوثر السكينة والطمأنينة بعد أن سكب دموعه الساخنة على مصاب أطهر الخلق.

وتأتي المرأة - في جهة أخرى من العزاء - لتسلي أختها، فتبادرها بعبارة من قبيل: “سلوتش زينب”، فترد الفاقدة: “سلام الله عليش يا زينب، يا أم المصائب.. لله صبرش”. فتبكي فقيدها وزينب معًا، فيهون عليها مصابها الشخصي، وتتصبر عن فقدها، ويُجبر خاطرها المكسور.

يقول الناس في مصائبهم، كلِّ مصائبهم الشخصية عن أهل بيت النبي (ص): هم سلوتنا، ورحمة الله النازلة إلينا في شدّتنا كما هم في رخائنا أملنا وعزوتنا.

كذلك، يؤجل الفرح الشخصي - في أيام الأفراح المجدولة - إلى يومٍ لا تكون فيه ذكرى حزن لأهل بيت النبوة، ويؤخر الحزن الشخصي حتى غروب شمس يوم ذكرى حزن أهل البيت عليهم السلام، فيُرفع الحزن الشخصي الطريّ تقديمًا لحزن الطاهرين المقيمِ الساخن أبدًا في قلوب الموالين، ذوبانًا اجتماعيًّا عقديًّا في ذكريات حوادث جرت قبل ما يزيد على ألف عام؛ سعيًا في دربٍ طويل، قوامه الماء والطين، ممتدًّا على مدى الأجيال والأيام والسنين، لتحصيل الرحمة الإلهية:

“يحزنون لحزننا ويفرحون لفرحنا”.

تأتي مناسبة عاشوراء، ولا سيما الأيام الحسينية العشرة الأولى من شهر المحرم، ذروةَ الأحزان، فتتحول تحية كثير من الناس إلى: “مأجورين”، و**“مثابين”**. هكذا يستقبل بعضهم بعضًا، فيكونون هم أهل العزاء لهذه المصيبة الراتبة. وما أعظم أن تكون المُعزَّى في عظماء كهؤلاء!

ثم إنّك إن سألتهم عن جدولة اتفاق أو عملٍ ما لم يُحدد بعد، من متعلقات الحياة اليومية المعتادة، اعتذروا إليك عادةً بقولهم: “بعد العشرة”، أو “بعد الوفاة”، في أيام وفيات بقية المعصومين.

وللحديث بقية..


error: المحتوي محمي