ليست كل الفواجع موتًا يمضي، ولا كل الحوادث خبرًا يُروى؛ فبعض المصائب تدخل البيوت بلا استئذان، وتسكن القلوب بلا نسيان، وتهز الوطن من أقصاه إلى أقصاه، لا لأنها أخذت أرواحًا فقط، بل لأنها كشفت لنا كم نحن جسد واحد، إذا تألم طرفه تداعت له الأرواح قبل الجوارح.
في حادثة سقوط المروحية التابعة لأرامكو في رأس تنورة، لم يكن الراحلون أرقامًا في بيان، ولا أسماء في خبر، بل كانوا أبناء وطن، وشباب عمل، ورجال مسؤولية، خرجوا في صباحهم يطلبون رزقًا كريمًا، ويؤدون واجبًا عظيمًا، ويخدمون بلادًا أحبّوها فأخلصوا لها، وأعطوها من أعمارهم قبل أعذارهم.
هؤلاء لم تجمعهم قبيلة واحدة، ولا منطقة واحدة، ولا عمر واحد، ولا مذهب واحد؛ جمعهم ما هو أكبر من ذلك كله: وطن واحد، وراية واحدة، ولقمة عيش شريفة، ورسالة عمل نبيلة. كانوا من تنوع هذا البلد، فصار رحيلهم درسًا في وحدته؛ ومن اختلاف أطيافه، فصار فقدهم شاهدًا على ائتلافه.
الفاجعة موجعة، نعم؛ لكنها في وجعها تذكّرنا أن الوطن لا يقوم بالشعارات وحدها، بل بسواعد العاملين، وعرق المخلصين، وصبر المرابطين في مواقعهم. فمن يعمل في الميدان، ويغادر أهله لأجل واجبه، ويصعد إلى البحر أو الجو أو البر من أجل خدمة وطنه، هو شريك في البناء، وحارس في الخفاء، وجندي بلا ضجيج ولا ادعاء.
إنهم شهداء لقمة العيش، شهداء الواجب، شهداء الوطن الهادئ الذي لا يراه الناس إلا حين يفقد أحد أبنائه. رحلوا، لكنهم تركوا خلفهم معنى لا يرحل: أن السعودية بيت واسع، وأهلها قلب واحد، ومصابها إذا نزل على بيت، بكى له ألف بيت.
اللهم ارحمهم، وارفع مقامهم، واجبر كسر ذويهم، واحفظ بلادنا من كل فاجعة، وأدم علينا نعمة الأمن والوحدة، واجعل من حزننا وعيًا، ومن ألمنا تماسكًا، ومن دمعتنا عهدًا بأن يبقى الوطن فوق كل فرقة، وأكبر من كل اختلاف.



