12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

ما كان يفعله آباؤنا صار اليوم علماً يُدرَّس ويُسوَّق للعالم

تمهيد
نعم ماقرأته صحيح ، وليس خيال أو وهم ، أو حتى مبالغة ، كان لأبائنا ذكاء فطري ، واعتقد يطابق الآن الذكاء الإجتماعي ،  ولهذا  ، في كثير من تصرفات آباؤنا ، لا نفهم قيمة بعضها إلا بعد أن نتقدم  بالعمر، وتتسع دائرة المعرفة، ونسافر، ونقرأ، ونقارن بين ما عشنا عليه وما يقدمه العالم اليوم على أنه أحدث ما توصل إليه العلم ، حينها فقط ندرك أن كثيراً مما كنا نعدّه حرص وبخل وجهل وتزمت و تشدداً أو مبالغة، لم يكن إلا حكمةً سبقت زمانها.

المقدمة
أتذكر جيداً أن والدي - رحمه الله جميع أمواتنا وأمواتكم  - وكثير من الآباء ، كان يحرص على إطفاء أي ليت لا يحتاجه أحد، وإذا انتهى الجميع من استخدام المكيف ! بادر إلى إغلاقه ، وكان يرفض أن نستخدم السيارة للذهاب إلى المخبز أو البقالة أو الچبرة ، التي لا يبعدوا  سوى عشرات الأمتار ، ويكرر دائماً: “امشوا ، فهي قريبة.”

   ⁃    بقايا الأكل .
وكان يهتم ببقايا الأكل اهتماماً كبيراً ، فلا يسمح برمي أطراف وحواف القرص ، ولا ما تبقى من العيش، ولا قشور الجح والبطيخ وبعض الفواكه ، بل يجمعها لنأخذها إلى بعض الجيران ممن يربون الطيور كالدجاج والبط والأوز والحمام و الأغنام ليستفيدون منها ، وكانت عبارة “النعمة زوَّالة ” تتردد على مسامعنا أكثر من أي تفسير آخر ، في طفولتنا، لم نكن نفهم كل ذلك ، وربما شعرنا أحياناً أن هذا نوع من البخل أو التشدد، وأن الحياة أبسط من أن نتوقف عند لمبة مضاءة ، أو قطعة خبز صغيرة، أو مشوار قصير بالسيارة ، لكن بعد سنوات، اكتشفنا أن العالم نفسه عاد ليخبرنا بأن آباءنا كانوا على صواب !!!

ما كان يسمى عندهم حفظ النعمة، أصبح اليوم يسمى الاستدامة ، وما كان يُعرف بالحرص على عدم تشغيل الأجهزة دون حاجة، أصبح كفاءة الطاقة ، وما كان يعني عدم رمي الطعام والاستفادة من بقاياه، أصبح تقليل هدر الطعام وأحد أهم مبادئ الاقتصاد الدائري ، الذي يقوم على إعادة استخدام الموارد بدلاً من التخلص منها ، أما المشي إلى الأماكن القريبة بدلاً من استخدام السيارة، فأصبح جزءً من الرياضة و من مفهوم التنقل المستدام لما يحققه من فوائد صحية وبيئية وتقليل لانبعاثات الكربون ، وأصبح الاقتصاد في استهلاك الماء والكهرباء والمواد المختلفة يعرف باسم ترشيد الموارد ، بينما صار الاعتدال في الشراء والاستهلاك يندرج تحت مفهوم الاستهلاك المسؤول .

   ⁃    اقتصادي بدون شهادة .
المثير في الأمر أن آباءنا لم يدرسوا هذه المصطلحات في الجامعات، ولم يحضروا مؤتمرات عن البيئة أو التنمية المستدامة، ولم يحصلوا على شهادات في إدارة الموارد ، لقد تعلموا ذلك من مدرسة الحياة، ومن بيئة تعرف القيم والمبادئ و قيمة ( الشقا) و التعب، ومن مجتمع كان يرى في الإسراف عيباً، وفي حفظ النعمة خلقاً، ومن دين جعل الاعتدال منهجاً للحياة، لقد كانت تلك السلوكيات جزءً  من الثقافة اليومية ، لا تحتاج إلى حملات توعوية، ولا إلى شعارات، ولا إلى تقارير سنوية، لأن الرقابة كانت رقابة الضمير، والدافع كان احترام وشكر النعمة، لا الحصول على تقدير أو شهادة أو وسام ، ولعل أجمل ما في جيل آبائنا أنهم لم يكونوا يحافظون على الموارد خوفاً من ارتفاع الفاتورة، بل احتراماً للنعم ( لاتلعب بالنعمة ) ، وإيماناً بأن كل ما في هذه الحياة أمانة يجب ألا يُهدر ، كانوا يدركون أن الإسراف لا يضر الفرد وحده، بل ينعكس على المجتمع كله، وأن الاقتصاد في الأشياء ليس حرماناً، بل حسن إدارة.

   ⁃    نقطة وأول السطر.
لسنا بحاجة إلى أن نعود إلى الماضي لنعيش كما عاش آباؤنا، لكننا بحاجة إلى أن نستعيد  وعيهم و حكمتهم ، فالتقدم الحقيقي لا يعني أن نستبدل قيمنا بمصطلحات جديدة، بل أن ندرك أن كثيراً من المبادئ التي ينادي بها العالم اليوم كانت حاضرة في بيوتنا منذ عقود، لكنها كانت تُمارس ببساطة، وبالفطرة، ومن دون ضجيج !!! إن من الجميل أن نتعلم مفاهيم الاستدامة، وكفاءة الطاقة، والاقتصاد الدائري، لكن الأجمل أن نعلّم أبناءنا أن هذه القيم ليست غريبة عن ثقافتنا، بل هي امتداد لما تربى عليه آباؤنا وأجدادنا، حين كانوا يرددون كلمات قليلة، لكنها تختصر فلسفة حياة كاملة:
النعمة زوالة ! 
“احفظ النعمة!
"ومادوم إلا بالشكر”


error: المحتوي محمي