قبل القراءة
حكاية هذا المقال تمتد لسنوات، فمنذ أن تعرفت على الأستاذ منصور الحسن، اعتدت أن أقصده كل 9 محرم في بلدة سنابس بجزيرة تاروت بعد اتصال هاتفي قصير، فأسمع منه عبارته الجميلة: «سهمك جاهز». عندها أشد الرحال إليه، فليست الحكاية حكاية طعام فحسب، بل حكاية بركة ومودة صادقة وارتباط إنساني جميل يجعل الزيارة مناسبة أنتظرها كل عام.
⁃ منهو.
وهناك حكاية أخرى لا تقل جمالاً، ففي كثير من المناسبات كنا نسمع طرقاً خفيفاً على الباب، وعندما نفتح نجد أحد الجيران قد وضع وجبة أرز على مقبض الباب ومضى بهدوء ، كما تتوالى عطايا ومحبة عدد من الجيران والأحبة وغيرهم من أهل الخير ، إنها عادة اجتماعية أصيلة تعكس روح التكافل والمحبة التي عُرفت بها مجتمعاتنا، حيث تتجسد المودة في أبسط الصور وأجملها ، نسأل الله أن تبقى هذه العادات الطيبة حية في نفوس الناس، وأن تتوارثها الأجيال جيلاً بعد جيل.
⁃ السهم.
هناك كلمات صغيرة تختزن في داخلها تاريخاً كاملاً من المحبة والعلاقات الإنسانية الجميلة ، كلمات كانت تتردد يومياً في بيوت واحة القطيف حتى أصبحت جزءً من الذاكرة الشعبية لأهلها ، ومن أجمل هذه الكلمات كلمة «السهم» ، منذ الصغر كنا نسمع أمهاتنا وجداتنا – رحمة الله عليهن جميعاً – وهن يرددن: «شيلوا سهم بيت فلان»، «و سهم أم حيدر»، «لا تنسوا سهم آمنة»، فتبدأ عملية توزيع الطعام قبل أن تجتمع الأسرة حول السفرة ، لم يكن الطعام يكتمل في نظرهن إلا بعد أن يأخذ أصحاب السهام نصيبهم، وكان السهم في مفهومه الشعبي المعروف في القطيف جزءً أصيلاً من الوجبة نفسها، وليس ما يتبقى منها بعد الأكل وقبل أن يمس ، فالطعام يُقسم أولاً، ويُرفع نصيب الأقارب والجيران والأرحام والمعارف، ثم يجلس أهل البيت إلى مائدتهم، وكأن الجميع شركاء في تلك السفرة وإن تباعدت البيوت واختلفت الطرقات ، ولذلك لم يكن السهم مجرد طبق طعام، بل رسالة محبة واهتمام وتواصل ، كانت الأطباق تنتقل بين البيوت وتحمل معها السلام والسؤال عن الأحوال والدعوات الطيبة، وكان الصغار غالباً سفراء هذه المحبة، يحملون الصحون بين البيوت في مشهد اجتماعي جميل لا يزال عالقاً في ذاكرة الكثيرين.
⁃ ضيف .
وكان من المعتاد أن يسأل الزائر أو القريب عند زيارته أو لقائه بأهل البيت: «ويش غداكم اليوم؟» أو «ويش عشاكم الليلة؟»، فيأتيه الجواب بالفعل لا بالكلام، فيُعطى من طعام البيت نفسه ويشاركهم ما أعدوه لأنفسهم بكل رحابة صدر وصدق مودة وبعيداً عن الكلافة.
⁃ توزيعات.
ولم تقتصر عادة السهم على الأيام العادية فقط، بل كانت تتجلى بصورة أجمل في المناسبات الدينية والاجتماعية ، ففي مواسم الأفراح، وفي المآتم والمضايف، وفي المناسبات المرتبطة بالحسين ع ، كانت بعض الأسر تبادر إلى إعداد الطعام وتوزيعه على الأقارب والجيران والأصدقاء والمعارف ، وكان الأجمل أن أصحاب هذه المبادرات يحرصون على إيصال الطعام بأنفسهم ، لم يكن الهدف مجرد توزيع وجبات، بل إيصال رسالة محبة ومشاركة واهتمام، فالطبق الذي يصل إلى الباب كان يحمل معه دعوة صادقة ومشاعر نبيلة قبل أن يحمل الطعام نفسه.
⁃ أكلهم حلو.
ولعل من أجمل ما ارتبط بهذه العادة أن بعض العوائل عُرفت بأطعمة اشتهرت بها، حتى أصبح البعض ينتظرونها ، فهناك بيوت اشتهرت ببعض أنواع الكيك و الحلويات الشعبية ( قرص عقيلي ، الساقو ، الخبيصة ، الممروس، الدليچة …) ، وأخرى عُرفت بأطباق خاصة توارثتها ، حتى أصبحت جزءً من هوية الأسرة وذاكرة المجتمع ،
ومن بين الأطعمة التي حضرت في ذاكرة السهام وتبادل الأطباق بين البيوت، برزت بعض الأكلات الشعبية التي ارتبطت بالمناسبات والاجتماعات العائلية، حتى أصبح ذكرها يستحضر في الذهن مشاهد التوزيع وطرق الأبواب وحركة الأطفال بين البيوت ، ولعل المحموص يأتي في مقدمة هذه الأكلات التي احتفظت بمكانتها في الذاكرة الشعبية لأهالي المنطقة.
⁃ المحموص .
ومن أشهر الأكلات التي ارتبطت بالمناسبات الاجتماعية في المنطقة وجبة المحموص، ذلك الطبق الشعبي الأصيل الذي ما زال حاضراً في الذاكرة والوجدان ، وهو طبق بسيط في مكوناته، لكنه غني في نكهته وحضوره الاجتماعي ، و يعتمد أساساً على البصل والعيش (الرز ) ، حيث تُطهى كميات كبيرة من البصل المقطع ويخلط بالزيت، ويُحرّك بصبر وهدوء حتى يصل إلى لون بني داكن يشبه لون خشب الصندل، ثم يُضاف الماء والأرز والبهارات ليأخذ ذلك اللون المميز الذي يعرفه أهل المنطقة، قبل أن يُضاف إليه اللحم أو الدجاج ، وهناك من يتناول المحموص بدون إيدام لطعمه اللذيذ .
⁃ محموص مختلف.
ورغم وحدة المكونات الأساسية، فإن لكل منطقة، بل ولكل بيت، طريقتهم ونكهتهم الخاصة ولمستهم المميزة في إعداد المحموص ، فهناك مناطق اشتهرت بمحموص اللحم، وأخرى اشتهرت بمحموص الدجاج، ولكل نكهة عشاقها ومحبوها ، ولم تكن المنافسة بين الناس على أيها أفضل بقدر ما كانت متعة العطاء والإحسان ، فلكل منطقة ذاكرتها ومذاقها الخاص الذي يميزها.
⁃ بين السهم و البركة.
وكان الجميع يشارك بحسب يسره وإمكاناته، فليس المقصود كثرة الطعام أو قيمته المادية، بل روح المشاركة والمبادرة ، فمن الناس من يوزع وجبات كبيرة، ومنهم من يوزع وجبات بسيطة، لكن الجميع كانوا يشتركون في هدف واحد، وهو بركة الإطعام و إدخال السرور على الآخرين وتقوية أواصر المجتمع ، ولقد كانت الحياة آنذاك أبسط بكثير مما هي عليه اليوم، لكنها كانت غنية بالمشاعر الإنسانية ، لم تكن هناك هواتف ذكية ولا وسائل تواصل اجتماعي، ومع ذلك كانت العلاقات أكثر دفئاً وحضوراً ، كان طبق الطعام يؤدي دور رسالة هاتفية، وكانت زيارة قصيرة إلى باب المنزل تكفي لتجديد أواصر المحبة بين الناس.
⁃ تهادوا تحابوا.
رحم الله آباءنا وأمهاتنا وأجدادنا جميعاً ، الذين علمونا أن الكرم ليس في كثرة ما نملك، بل في قدرتنا على المشاركة بقدر المستطاع ، وعلمونا أن الطعام لا يشبع البطون فقط، بل قد يغذي المحبة بين الناس ، واليوم، وبينما ما زالت بعض البيوت الأصيلة في محافظة القطيف تحافظ على هذه العادة الجميلة، تبقى عبارة «سهم بيت فلان» أكثر من مجرد كلمة شعبية ، إنها ذاكرة مجتمع، وحكاية محبة، وصورة من أجمل صور التكافل الاجتماعي التي عاشها أهل هذه الواحة الكريمة جيلاً بعد جيل.
حكاية هذا المقال تمتد لسنوات، فمنذ أن تعرفت على الأستاذ منصور الحسن، اعتدت أن أقصده كل 9 محرم في بلدة سنابس بجزيرة تاروت بعد اتصال هاتفي قصير، فأسمع منه عبارته الجميلة: «سهمك جاهز». عندها أشد الرحال إليه، فليست الحكاية حكاية طعام فحسب، بل حكاية بركة ومودة صادقة وارتباط إنساني جميل يجعل الزيارة مناسبة أنتظرها كل عام.
⁃ منهو.
وهناك حكاية أخرى لا تقل جمالاً، ففي كثير من المناسبات كنا نسمع طرقاً خفيفاً على الباب، وعندما نفتح نجد أحد الجيران قد وضع وجبة أرز على مقبض الباب ومضى بهدوء ، كما تتوالى عطايا ومحبة عدد من الجيران والأحبة وغيرهم من أهل الخير ، إنها عادة اجتماعية أصيلة تعكس روح التكافل والمحبة التي عُرفت بها مجتمعاتنا، حيث تتجسد المودة في أبسط الصور وأجملها ، نسأل الله أن تبقى هذه العادات الطيبة حية في نفوس الناس، وأن تتوارثها الأجيال جيلاً بعد جيل.
⁃ السهم.
هناك كلمات صغيرة تختزن في داخلها تاريخاً كاملاً من المحبة والعلاقات الإنسانية الجميلة ، كلمات كانت تتردد يومياً في بيوت واحة القطيف حتى أصبحت جزءً من الذاكرة الشعبية لأهلها ، ومن أجمل هذه الكلمات كلمة «السهم» ، منذ الصغر كنا نسمع أمهاتنا وجداتنا – رحمة الله عليهن جميعاً – وهن يرددن: «شيلوا سهم بيت فلان»، «و سهم أم حيدر»، «لا تنسوا سهم آمنة»، فتبدأ عملية توزيع الطعام قبل أن تجتمع الأسرة حول السفرة ، لم يكن الطعام يكتمل في نظرهن إلا بعد أن يأخذ أصحاب السهام نصيبهم، وكان السهم في مفهومه الشعبي المعروف في القطيف جزءً أصيلاً من الوجبة نفسها، وليس ما يتبقى منها بعد الأكل وقبل أن يمس ، فالطعام يُقسم أولاً، ويُرفع نصيب الأقارب والجيران والأرحام والمعارف، ثم يجلس أهل البيت إلى مائدتهم، وكأن الجميع شركاء في تلك السفرة وإن تباعدت البيوت واختلفت الطرقات ، ولذلك لم يكن السهم مجرد طبق طعام، بل رسالة محبة واهتمام وتواصل ، كانت الأطباق تنتقل بين البيوت وتحمل معها السلام والسؤال عن الأحوال والدعوات الطيبة، وكان الصغار غالباً سفراء هذه المحبة، يحملون الصحون بين البيوت في مشهد اجتماعي جميل لا يزال عالقاً في ذاكرة الكثيرين.
⁃ ضيف .
وكان من المعتاد أن يسأل الزائر أو القريب عند زيارته أو لقائه بأهل البيت: «ويش غداكم اليوم؟» أو «ويش عشاكم الليلة؟»، فيأتيه الجواب بالفعل لا بالكلام، فيُعطى من طعام البيت نفسه ويشاركهم ما أعدوه لأنفسهم بكل رحابة صدر وصدق مودة وبعيداً عن الكلافة.
⁃ توزيعات.
ولم تقتصر عادة السهم على الأيام العادية فقط، بل كانت تتجلى بصورة أجمل في المناسبات الدينية والاجتماعية ، ففي مواسم الأفراح، وفي المآتم والمضايف، وفي المناسبات المرتبطة بالحسين ع ، كانت بعض الأسر تبادر إلى إعداد الطعام وتوزيعه على الأقارب والجيران والأصدقاء والمعارف ، وكان الأجمل أن أصحاب هذه المبادرات يحرصون على إيصال الطعام بأنفسهم ، لم يكن الهدف مجرد توزيع وجبات، بل إيصال رسالة محبة ومشاركة واهتمام، فالطبق الذي يصل إلى الباب كان يحمل معه دعوة صادقة ومشاعر نبيلة قبل أن يحمل الطعام نفسه.
⁃ أكلهم حلو.
ولعل من أجمل ما ارتبط بهذه العادة أن بعض العوائل عُرفت بأطعمة اشتهرت بها، حتى أصبح البعض ينتظرونها ، فهناك بيوت اشتهرت ببعض أنواع الكيك و الحلويات الشعبية ( قرص عقيلي ، الساقو ، الخبيصة ، الممروس، الدليچة …) ، وأخرى عُرفت بأطباق خاصة توارثتها ، حتى أصبحت جزءً من هوية الأسرة وذاكرة المجتمع ،
ومن بين الأطعمة التي حضرت في ذاكرة السهام وتبادل الأطباق بين البيوت، برزت بعض الأكلات الشعبية التي ارتبطت بالمناسبات والاجتماعات العائلية، حتى أصبح ذكرها يستحضر في الذهن مشاهد التوزيع وطرق الأبواب وحركة الأطفال بين البيوت ، ولعل المحموص يأتي في مقدمة هذه الأكلات التي احتفظت بمكانتها في الذاكرة الشعبية لأهالي المنطقة.
⁃ المحموص .
ومن أشهر الأكلات التي ارتبطت بالمناسبات الاجتماعية في المنطقة وجبة المحموص، ذلك الطبق الشعبي الأصيل الذي ما زال حاضراً في الذاكرة والوجدان ، وهو طبق بسيط في مكوناته، لكنه غني في نكهته وحضوره الاجتماعي ، و يعتمد أساساً على البصل والعيش (الرز ) ، حيث تُطهى كميات كبيرة من البصل المقطع ويخلط بالزيت، ويُحرّك بصبر وهدوء حتى يصل إلى لون بني داكن يشبه لون خشب الصندل، ثم يُضاف الماء والأرز والبهارات ليأخذ ذلك اللون المميز الذي يعرفه أهل المنطقة، قبل أن يُضاف إليه اللحم أو الدجاج ، وهناك من يتناول المحموص بدون إيدام لطعمه اللذيذ .
⁃ محموص مختلف.
ورغم وحدة المكونات الأساسية، فإن لكل منطقة، بل ولكل بيت، طريقتهم ونكهتهم الخاصة ولمستهم المميزة في إعداد المحموص ، فهناك مناطق اشتهرت بمحموص اللحم، وأخرى اشتهرت بمحموص الدجاج، ولكل نكهة عشاقها ومحبوها ، ولم تكن المنافسة بين الناس على أيها أفضل بقدر ما كانت متعة العطاء والإحسان ، فلكل منطقة ذاكرتها ومذاقها الخاص الذي يميزها.
⁃ بين السهم و البركة.
وكان الجميع يشارك بحسب يسره وإمكاناته، فليس المقصود كثرة الطعام أو قيمته المادية، بل روح المشاركة والمبادرة ، فمن الناس من يوزع وجبات كبيرة، ومنهم من يوزع وجبات بسيطة، لكن الجميع كانوا يشتركون في هدف واحد، وهو بركة الإطعام و إدخال السرور على الآخرين وتقوية أواصر المجتمع ، ولقد كانت الحياة آنذاك أبسط بكثير مما هي عليه اليوم، لكنها كانت غنية بالمشاعر الإنسانية ، لم تكن هناك هواتف ذكية ولا وسائل تواصل اجتماعي، ومع ذلك كانت العلاقات أكثر دفئاً وحضوراً ، كان طبق الطعام يؤدي دور رسالة هاتفية، وكانت زيارة قصيرة إلى باب المنزل تكفي لتجديد أواصر المحبة بين الناس.
⁃ تهادوا تحابوا.
رحم الله آباءنا وأمهاتنا وأجدادنا جميعاً ، الذين علمونا أن الكرم ليس في كثرة ما نملك، بل في قدرتنا على المشاركة بقدر المستطاع ، وعلمونا أن الطعام لا يشبع البطون فقط، بل قد يغذي المحبة بين الناس ، واليوم، وبينما ما زالت بعض البيوت الأصيلة في محافظة القطيف تحافظ على هذه العادة الجميلة، تبقى عبارة «سهم بيت فلان» أكثر من مجرد كلمة شعبية ، إنها ذاكرة مجتمع، وحكاية محبة، وصورة من أجمل صور التكافل الاجتماعي التي عاشها أهل هذه الواحة الكريمة جيلاً بعد جيل.



