12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

بين صدمة الفقد والواجب.. “محمد حسن البيابي” سيرة طيبة لا تغيب

يرحل بعض الناس فتغيب أجسادهم، لكن تبقى سيرتهم حيّة في القلوب، لأنهم لم يعيشوا لأنفسهم فقط، بل عاشوا للناس جميعًا. يبقون حاضرين في تفاصيل اللحظات التي نعيشها، والكلمات التي ننطق بها، والمواقف التي نمر بها، ويظل بعض المقربين منهم يرفضون فكرة رحيلهم، رغم يقينهم بأن الموت حق ومصير محتوم لكل البشر.

مثل هؤلاء غادرنا قبل عدة أيام طيب القلب محمد حسن بن الملا رضي البيابي (أبو علي)، زوج أختي الكبرى (فاطمة)، الإنسان الذي عرفته منذ الصغر محبوبًا عند الجميع بصفاء سريرته وصدق معاملته وحبه للخير. كان رجلًا عصاميًا كافح طوال حياته من أجل لقمة عيش كريمة له ولعائلته، لا يعرف الاستسلام، مؤمنًا بأن العمل شرف وأن السعي عبادة. ارتبط بالأرض ارتباطًا وثيقًا، وعاش محبًا لمهنته التي تنبض بين يديه، وترعرع منذ صغره على حياة الزراعة، فوجد في ترابها راحة لنفسه، واستنشق رائحتها كأنها جزء من روحه، وكانت الأرض بالنسبة إليه حياة وعطاء وأملًا متجددًا.

وعلى الرغم من فقده نعمة البصر مع تقدمه في العمر، إلا أن ذلك جعل من حوله يدركون أنه كان يرى بعين البصيرة ما لا يراه كثير من المبصرين. امتلك قلبًا نافذًا إلى الخير، وعقلًا حكيمًا، ونفسًا مطمئنة تنشر المحبة أينما حلّت. لم يكن يفرّق بين أحد، فكان عادلًا بين زوجتيه، رحيمًا بأبنائه وبناته، محتضنًا أحفاده بدفء، حريصًا على أن يزرع بينهم المحبة والتآلف والتسامح والاحترام وبر الوالدين، فشبّوا على تلك القيم النبيلة التي غرسها في نفوسهم.

وحمل في قلبه حبًا عظيمًا للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الأطهار، وظهر ذلك جليًا بذكرهم والبكاء لمصابهم. كانت حياته متصلة بسيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام واستذكار مواقفه وتضحياته. لقد كان ذلك الحب جزءًا أصيلًا من شخصيته وإيمانه وسلوكه، يكتسي بهالة من الحزن بمجرد حلول شهر محرم، ويحمل حزنه أينما حل، ولا يفتر عن تذكر مصابهم في حديثه وبين دموعه، وكأنه أحد شهود العيان على واقعة الطف. كان يتمنى زيارتهم ولا يبخل بالسعي إليها رغم بُعد المكان وقلة الجادة، ويستنكر كل تسلية للنفس في أيام مصابهم حتى وإن كان مزاحًا عابرًا بين أبنائه وبناته، إلى أن نال الشرف بأن اختاره الله في اليوم المصادف ليوم تصدق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بخاتمه، ليكون له دعاء خاص من محبيه، ويكون في ضيافتهم ويحشر معهم.

وعندما جاء يوم الرحيل، ظهر أثره الحقيقي في قلوب من عرفوه؛ فقد شيّعه جمع غفير من أهل بلدته ومحبيه، في مشهد عبّر عن مكانته الكبيرة وما تركه من محبة صادقة في النفوس. لم يكن ذلك الحضور الكبير إلا شهادة من الناس على حياة ملؤها الخير والعطاء. رحل الجسد، لكن السيرة العطرة بقيت، وبقيت الدعوات الصادقة تلاحقه في قبره، وبقيت القيم التي غرسها في أسرته ومجتمعه شاهدة على رجل عاش كريمًا ورحل كريمًا.

أتذكره بكل تقدير واحترام، فقد عرفته منذ نعومة أظافري زوجًا لأختي الكبرى. نعم، كنت أناديه في صغري «زوج أختي»، إلى أن كبرت، حتى إني لم أدرك أن له اسمًا آخر إلا بعد سنوات. أتذكر حديثه مع والدي المرحوم وأمي حفظها الله ونحن صغار، وكان حديثًا لا ينتهي، يوجز أحداثًا ومواقف كثيرة، وكأنه سرد تاريخ ليس له بداية.

وبحكم عملي الصحفي في صحيفة «القطيف اليوم»، كانت تتوالى إلينا أخبار الوفيات لرصدها في الصحيفة، إلا أن خبره كان من الأخبار التي لا تصل إلى الإنسان كخبر عابر. استيقظت من نومي عند الساعة 7:30 صباحًا على صوت الجوال ورسالة تحمل خبر الوفاة، وهنا شعرت أنه هبط على قلبي دفعة واحدة، وغير ملامح اليوم وما بعده. لقد كان من تلك الأخبار التي يصعب استيعابها في اللحظة الأولى، فهو لم يكن مجرد شخص أعرفه، بل فردًا من العائلة، حاضرًا في تفاصيل الحياة والذكريات والمناسبات.

في اللحظات الأولى كانت المشاعر متداخلة بين الحزن والذهول وعدم التصديق، وبينما كنت أحاول استيعاب الخبر، وجدت نفسي أمام مسؤولية أخرى؛ فقد طُلب مني أن أكتب تفاصيل خبره الذي سيعلن رحيله للناس. هنا بدأت معركة صامتة بين القلب والعقل، بين مشاعر الفقد ومتطلبات الواجب.

لم يكن الرقم الذي وصلني للتواصل مع أسرة الفقيد رقمًا لشخص مجهول، بل كان رقم ابن أختي حسين، ابنه الثاني. وعندما اتصلت به اختنقت الكلمات في صدري وعجزت عن الخروج، رغم علمي بأنه تعرض لأزمة صحية ألمّت به في اليوم السابق. وما إن قلت: «ابن أختي»، حتى جاءني صوته مكسورًا: «ويلي يا أبوي… راح أبوي يا خالة». فأجبته: «بل هو والدنا جميعًا». ثم سألته بصعوبة: «هل وصل الخبر للجميع؟».

كان من الصعب أن أبحث عن الكلمات المناسبة وأنا ما زلت تحت تأثير الصدمة. كيف يمكن للإنسان أن يكتب خبر شخص عزيز في لحظة يعجز فيها عن تقبل فكرة رحيله؟ وكيف يستطيع أن يكون موضوعيًا بينما الحزن يملأ كل زاوية من روحه؟ أدركت حينها أن كتابة الخبر ونشره ليست مجرد نقل لخبر وفاة، بل هي محاولة أخيرة للوفاء، وتلخيص لسنوات من الكفاح والعطاء والذكريات. ومن بين أسماء محبيه كنت أستحضر صورته في ذهني، وأتذكر أخلاقه ومواقفه وعلاقته بأسرته وودهم له، محاولة أن أمنحه حقه من الإنصاف في السطور التي أكتبها.

وفي خضم ذلك كله، كان عليّ أن أوازن بين متطلبات العمل وإدارة مشاعري الخاصة. لم تكن المهمة سهلة، فالحزن يستهلك طاقة الإنسان ويجعل التركيز أمرًا شاقًا، لكن الواجب كان يفرض حضوره، وكأن الحياة تذكرنا دائمًا بأن مسؤولياتنا لا تتوقف حتى في أكثر اللحظات ألمًا.

عندما انتهيت من كتابة الخبر شعرت أنني لم أكتب نعيًا فحسب، بل كتبت صفحة من سيرة إنسان عاش بسيطًا وعظيم الأثر في آن واحد. أدركت أن بعض الأشخاص لا يُقاس حضورهم بالمناصب ولا بالألقاب، بل بالمحبة التي يتركونها في قلوب الناس، وبالفراغ الذي يخلفه رحيلهم.

رحمك الله يا أبا علي رحمة واسعة، وأسكنك فسيح جناته، وجعل ما قدمته من خير وإحسان في ميزان حسناتك، وجمعك مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الطاهرين. ستبقى حاضرًا في الذاكرة كما كنت حاضرًا في الحياة، وستظل سيرتك الطيبة شاهدًا على رجل عاش كريمًا عزيزًا ورحل كريمًا عزيزًا.


error: المحتوي محمي