12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

رحلة الإنسان مع ذاته (٢)

هناك خيط رفيع ما بين فكرة الانعزال عن الناس ورفض طلب العون والمساعدة عندما تكون بأمسّ الحاجة لها، وبين التعافي الذاتي ومعالجة الآلام وترميم الذات من الندوب اللاحقة بها بنفسه، إذ إن المنطلق الأول لبناء النفس واقتدارها هو تحمّل المسؤولية وتوظيف قدراته ومهاراته وإمكاناته في التخطيط لحياة الإنجاز والنجاح ومواجهة التحديات والعراقيل.

وهذا لا يعني رفض مد يد العون له واستشارة من يثق بهم والدخول معهم في حوار جدي (عصف ذهني)، واستماع ما يقدّم له من نصح وإرشاد يسهم في نظرة شمولية للحدث أو الأزمة، ورؤية متكاملة للعوامل المؤثرة فيها، فمن عوامل المعرفة والاقتدار نقل خبرات الآخرين واستماع ما واجهوه من أحداث مشابهة أو مقاربة لوضعه، ولكن في نهاية الأمر يبقى القرار المناسب والحاسم بيده وينبع من داخله، ويتخذه بناءً على ما توصّل إليه من اتجاه ومسار سلّط عليه أضواء فكره الواعي، واستفاد من تجارب وخبرات الآخرين ورؤاهم وضمّها في بوتقة واحدة.

ومن القدرات والطاقات النفسية والروحية التي يمتلكها الإنسان العارف بنفسه والمبتغي طريق الإنجاز والنجاح الصبر والنَّفَس الطويل، وذلك بتحمّل المتاعب والآلام المصاحبة لطريق العمل الدؤوب أو الناجمة عن الظروف الصعبة والعراقيل والصدمات العاطفية.

فالصبر لا يعني قبول الواقع السيئ بكل تفاصيله ورفع الراية البيضاء في مواجهته، بل هو إصرار على مواصلة طريق الكفاح والنجاح، وذلك بتجاوز العقبات والمحن. فالصبر عمل وهمّة، وليس بوقوف يائس، وحركة نحو حصر الخسائر والبحث عن حلول ممكنة.

ولا يهب النفس قوة وهمّة في طريق مواجهة الصعاب والعثرات كاستحضار الأهداف الكبرى للحياة، فهو يمنح الإنسان قدرة على تجاوز أزماته ومعالجة الآلام والتكيّف مع الواقع الجديد إن لم يستطع الانسلاخ والخروج منه.

فمن يرى وجوده طريقًا إلى الله تعالى يدرك أن الابتلاءات ليست نهاية الحكاية، بل هي البداية لتحقيق ذاته وإبراز كفاءته في مواجهة التحديات واختبار جديته في تحقيق أهدافه، ومحطات لصقل الروح وتطهير القلب وتنمية الخبرة الإنسانية والتعامل الجيد مع محطات الاختبار المستقبلية.

إن أخطر ما يواجه الإنسان المعاصر هو الارتهان والتسليم الكامل للمساندة الخارجية، وتغييب أي محاولة ذاتية صادرة منه لفهم المشكلة والاحتمالات والمخارج للتخلص منها، فيظن أن سعادته بيد الآخرين، وبيدهم القدرة السحرية لتخليصه مما يواجهه، وأن نجاته رهينة بوجود من ينتشله دائمًا.

وينسى ويتغافل عن أنه قادر - بإذن الله تعالى - على أن يكون حصن نفسه الأول، وأن يستثمر عقله وإيمانه وقدراته وتجاربَه في تجاوز الانكسارات والمحطات الصعبة بأقلّ الخسائر.

ولا يتحقق ذلك إلا عبر خطوات عملية، وأهمها صدق المصارحة مع الذات، والمداومة على محاسبة النفس (المراجعة الذاتية)، والتحكم في الانفعالات (ضبط النفس)، واستحضار النعم الإلهية، وعدم الاستسلام للأفكار السلبية وتمكّن روح اليأس منه.


error: المحتوي محمي