أسامِ لو مررتَ بها بليلِ
لأشرقَ من جوانبِها النهارُ
نساءٌ من طرازِ الغيمِ مرّوا
فما جفّت لذكراهم ديارُ
ثمة كلمات لا تسكن المعاجم بقدر ما تسكن الذاكرة الشعبية، وتبقى حيّة في وجدان الناس بوصفها جزء من تاريخهم الاجتماعي والثقافي. ومن هذه المفردات كلمة «چناچين»، التي قد تبدو غريبة على الأجيال الجديدة، لكنها تحمل لدى أبناء الفرقان القديمة والأحياء العريقة معاني تتجاوز حدود اللفظ إلى فضاءات الذكرى والانتماء.
فالچناچين في بعض البيئات الشعبية تعني بركة المآتم الحسينية؛ ذلك الطعام الذي يُهدى إلى البيوت وتتشاركه الأسر طلب للبركة وتجسيد للمشاركة الوجدانية. وقد لا تكون هذه التسمية متداولة لدى جميع البيوتات أو الفرقان، حتى داخل البلدة الواحدة، إذ تُعرف في أماكن أخرى بمسميات مثل «البركة» أو «النفريات» أو «التقسيمات». غير أن اسم «الچناچين» ظل محتفظ بحضوره في ذاكرة من عرفه وتداوله، بوصفه جزء من الموروث الاجتماعي المرتبط بالمآتم الحسينية.
أما اقترانها بكلمة «العزية»، وهي مرادف للعزاء والحزن، فيكشف عن عمق الصلة بين المجتمع والشعائر. والأجمل أن هذه التسمية بقيت ملازمة للچناچين حتى في مناسبات الفرح والمواليد، وكأن الوجدان الشعبي أراد أن يربط كل مظاهر العطاء والخير بذلك النبع الروحي المتدفق من مدرسة الإمام الحسين عليه السلام.
هذا الإرث الاجتماعي لم تكتبه المناهج، ولم تُنشئه المؤسسات، بل تناقلته البيوت جيل بعد جيل، وحفظته الأمهات والجدات في تفاصيل الحياة اليومية. فكم من امرأة رحلت عن الدنيا وتركت أثر لا يُقاس بما امتلكت، بل بما غرسته من قيم البذل والخدمة والمحبة في نفوس أبنائها.
وقد استحضرت هذه المفردة مؤخر خلال مكالمة مرئية مع إحدى بناتي، بعد سنوات من الغربة والدراسة خارج الوطن، وذلك في أيام شهر محرم الحرام. وبينما كنا نتبادل الحديث، لفت انتباهي انشغالها بتهيئة ما يُقدَّم ثواب للمآتم ومشاركة في خدمة أهل العزاء.
حينها أدركت أن ما يغرسه الآباء والأمهات في نفوس أبنائهم لا تقتصر آثاره على زمن أو مكان. ففي تلك اللحظة مرّت أمامي صور كثيرة من الماضي؛ صور الأمهات والجدات اللواتي كرّسن أوقاتهن لخدمة المآتم، وبذلن جهدهن بمحبة وإخلاص دون انتظار شكر أو ثناء. وتذكرت كيف أسهمت تلك الممارسات البسيطة في ظاهرها في بناء علاقات اجتماعية متينة، وترسيخ قيم التكافل والانتماء في نفوس الأبناء.
ولم يكن المشهد مجرد استعادة لذكرى جميلة، بل كان شاهد على قوة القيم المتجذرة في البيئة العائلية الأصيلة. فقد أدركت ابنتي روح الخدمة التي عُرفت بها مُربعة بيت مراشد عائلتها وحسينية الزواورة العريض، وهي من أبرز النماذج النسائية في فريق كربلاء بالعواميه حيث عُرفت نساء هذا الفريق بالتفاني والذوبان في الخدمة الحسينية، حتى أصبحت تلك الروح جزء من هوية المكان وذاكرته الاجتماعية.
عندها وجدت نفسي أمام سؤال يستحق التأمل:
هل تستطيع سنوات الدراسة في الخارج، أو متطلبات الحياة الحديثة، أو التحولات الاجتماعية المتسارعة أن تمحو أثر التربية الأصيلة؟
وكان الجواب حاضر وواضح.
فالقيم الحقيقية لا تذوب بسهولة، والمواريث الاجتماعية الراسخة لا تقتلعها المتغيرات. قد تتبدل الوسائل وتتغير الأسماء، لكن الجوهر يبقى ثابت. وما دام في البيوت من يورث أبناءه حب الحسين عليه السلام وخدمة شعائره، فإن هذا الامتداد سيظل متجدد مهما تعاقبت الأجيال.
إن «چناچين العزية» ليست مجرد أوعية تحمل بركة المآتم، بل أوعية تحمل ذاكرة وهوية وانتماء. وهي شاهد حي على الدور العظيم الذي أدته المرأة في حفظ التراث الاجتماعي والديني، وعلى قدرة المجتمعات الأصيلة على نقل قيمها بهدوء، عبر القدوة الحسنة والممارسة اليومية.
رحم الله الأمهات والجدات اللواتي حفظن هذا الإرث في القلوب قبل الدفاتر، وغرسن في نفوس الأبناء معنى الخدمة والعطاء. فبفضلهن بقيت شعلة الوفاء متقدة، وبقيت «چناچين العزية» تنتقل من جيل إلى جيل، حاملة بركة الماضي، ودفء الحاضر، ووعد المستقبل.
فما دام هناك قلب يخفق بحب الحسين عليه السلام، وبيت يفتح أبوابه للخير، ويد تمتد بالعطاء، فإن ذاكرة «چناچين العزية» ستبقى حية، تحفظها القلوب وإن عجزت عن تدوينها الكتب.
لأشرقَ من جوانبِها النهارُ
نساءٌ من طرازِ الغيمِ مرّوا
فما جفّت لذكراهم ديارُ
ثمة كلمات لا تسكن المعاجم بقدر ما تسكن الذاكرة الشعبية، وتبقى حيّة في وجدان الناس بوصفها جزء من تاريخهم الاجتماعي والثقافي. ومن هذه المفردات كلمة «چناچين»، التي قد تبدو غريبة على الأجيال الجديدة، لكنها تحمل لدى أبناء الفرقان القديمة والأحياء العريقة معاني تتجاوز حدود اللفظ إلى فضاءات الذكرى والانتماء.
فالچناچين في بعض البيئات الشعبية تعني بركة المآتم الحسينية؛ ذلك الطعام الذي يُهدى إلى البيوت وتتشاركه الأسر طلب للبركة وتجسيد للمشاركة الوجدانية. وقد لا تكون هذه التسمية متداولة لدى جميع البيوتات أو الفرقان، حتى داخل البلدة الواحدة، إذ تُعرف في أماكن أخرى بمسميات مثل «البركة» أو «النفريات» أو «التقسيمات». غير أن اسم «الچناچين» ظل محتفظ بحضوره في ذاكرة من عرفه وتداوله، بوصفه جزء من الموروث الاجتماعي المرتبط بالمآتم الحسينية.
أما اقترانها بكلمة «العزية»، وهي مرادف للعزاء والحزن، فيكشف عن عمق الصلة بين المجتمع والشعائر. والأجمل أن هذه التسمية بقيت ملازمة للچناچين حتى في مناسبات الفرح والمواليد، وكأن الوجدان الشعبي أراد أن يربط كل مظاهر العطاء والخير بذلك النبع الروحي المتدفق من مدرسة الإمام الحسين عليه السلام.
هذا الإرث الاجتماعي لم تكتبه المناهج، ولم تُنشئه المؤسسات، بل تناقلته البيوت جيل بعد جيل، وحفظته الأمهات والجدات في تفاصيل الحياة اليومية. فكم من امرأة رحلت عن الدنيا وتركت أثر لا يُقاس بما امتلكت، بل بما غرسته من قيم البذل والخدمة والمحبة في نفوس أبنائها.
وقد استحضرت هذه المفردة مؤخر خلال مكالمة مرئية مع إحدى بناتي، بعد سنوات من الغربة والدراسة خارج الوطن، وذلك في أيام شهر محرم الحرام. وبينما كنا نتبادل الحديث، لفت انتباهي انشغالها بتهيئة ما يُقدَّم ثواب للمآتم ومشاركة في خدمة أهل العزاء.
حينها أدركت أن ما يغرسه الآباء والأمهات في نفوس أبنائهم لا تقتصر آثاره على زمن أو مكان. ففي تلك اللحظة مرّت أمامي صور كثيرة من الماضي؛ صور الأمهات والجدات اللواتي كرّسن أوقاتهن لخدمة المآتم، وبذلن جهدهن بمحبة وإخلاص دون انتظار شكر أو ثناء. وتذكرت كيف أسهمت تلك الممارسات البسيطة في ظاهرها في بناء علاقات اجتماعية متينة، وترسيخ قيم التكافل والانتماء في نفوس الأبناء.
ولم يكن المشهد مجرد استعادة لذكرى جميلة، بل كان شاهد على قوة القيم المتجذرة في البيئة العائلية الأصيلة. فقد أدركت ابنتي روح الخدمة التي عُرفت بها مُربعة بيت مراشد عائلتها وحسينية الزواورة العريض، وهي من أبرز النماذج النسائية في فريق كربلاء بالعواميه حيث عُرفت نساء هذا الفريق بالتفاني والذوبان في الخدمة الحسينية، حتى أصبحت تلك الروح جزء من هوية المكان وذاكرته الاجتماعية.
عندها وجدت نفسي أمام سؤال يستحق التأمل:
هل تستطيع سنوات الدراسة في الخارج، أو متطلبات الحياة الحديثة، أو التحولات الاجتماعية المتسارعة أن تمحو أثر التربية الأصيلة؟
وكان الجواب حاضر وواضح.
فالقيم الحقيقية لا تذوب بسهولة، والمواريث الاجتماعية الراسخة لا تقتلعها المتغيرات. قد تتبدل الوسائل وتتغير الأسماء، لكن الجوهر يبقى ثابت. وما دام في البيوت من يورث أبناءه حب الحسين عليه السلام وخدمة شعائره، فإن هذا الامتداد سيظل متجدد مهما تعاقبت الأجيال.
إن «چناچين العزية» ليست مجرد أوعية تحمل بركة المآتم، بل أوعية تحمل ذاكرة وهوية وانتماء. وهي شاهد حي على الدور العظيم الذي أدته المرأة في حفظ التراث الاجتماعي والديني، وعلى قدرة المجتمعات الأصيلة على نقل قيمها بهدوء، عبر القدوة الحسنة والممارسة اليومية.
رحم الله الأمهات والجدات اللواتي حفظن هذا الإرث في القلوب قبل الدفاتر، وغرسن في نفوس الأبناء معنى الخدمة والعطاء. فبفضلهن بقيت شعلة الوفاء متقدة، وبقيت «چناچين العزية» تنتقل من جيل إلى جيل، حاملة بركة الماضي، ودفء الحاضر، ووعد المستقبل.
فما دام هناك قلب يخفق بحب الحسين عليه السلام، وبيت يفتح أبوابه للخير، ويد تمتد بالعطاء، فإن ذاكرة «چناچين العزية» ستبقى حية، تحفظها القلوب وإن عجزت عن تدوينها الكتب.



