12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

ساعة الدواء

كانت الغرفة متسعة، لها رائحة المشفى، وفي الجانب منها يوجد سرير أبيض له إطار قوي، مزوّد بعجلات مقفلة لتسهيل النقل مع وجود مكابح وحواجز جانبية حرصًا على المريض، لكنه سرير يخلو من صاحبته التي غادرت الحياة مع بداية السنة الجديدة.

المكانُ مكتظٌ بالناس، والجميعُ يطلق عبارات العزاء لبنات جارتنا الحبيبة (أم عاطف). فجأة رن جرس هاتف إحدى الجالسات، فتنبهت إحدى البنات، وقالت: موعد دواء أمي، هذا هو وقته، لابد أنني تركتُ المنبّه يعمل ولم أقفله.

خيّمت على المكان نظراتُ الألم تجول هنا وهناك، تحمل معها كلّ صنوف الحزن، واستقرّت عند إحداهن. نظرتْ لي وقالت: أمي رحلت. أطلقتْ «آه» الوجع، وتمتمتْ ببضع كلمات، أظنني سمعتها تقول: إن انتسابنا إلى هذا العالم لا ينتهي بمغادرتنا الجسدية، فإنّ للمكان قيمته، وجدران المكان تشهد بوجودك يا أمي!

ثم أخذتْ المصحف الشريف، وأكملتْ من جديد القراءة في كتاب الله الذي كان لا يفارقها.

كنتُ أتصفح وجوههن فألمح الحسرة عليها، فالموقف أبلغ بكثير من وصفه، وتساؤلاتهن عن غياب والدتهن أشبه بقصائد رثاء فاقت جودة الشعر وبحوره.

غادرتنا (أم عاطف) مُحمّلة بدعوات صادقة لها بالرحمة والغفران، فلم نشهد لها إلّا كل خير وإحسان، بحب يملأ قلبها وابتسامة صافية تعكس جمال أعماقها، أمًّا حنونًا على أولادها وأولاد جيرانها. فلا عجب أن ننبهر بهذا الوداع المهيب لها عندما شيعها محبوها إلى مثواها الأخير.

بتُّ أُحدّق بجنازتها عندما ارتفعتْ فوق أكتاف المشيعين، وأنا متألمة من تلك الدموع المتناثرة، ومما زاد ألمي سلطانهم الصغير، (سلطان)، طفلها المدلّل الذي أصبح رجلًا. قد عاشت له بدورين عظيمين؛ دور الأب ودور الأم معًا بعد وفاة والده.

يبدو لي أنّ سلطان كان عاجزًا عن فهم أحجية الموت، فخرّ على ركبتيه يتلمّس الأرض التي كان واقفًا عليها، فرأى كلّ شيء محسوسٍ. لقد ظنّ أنّ الزمان يتجزّأ، فهناك زمن أمه الذي يتدفق منه كل أمان لن ينفد أبدًا، وهناك زمن الموت الذي كان يظنّ أنه لن يطال أمه.

لكن هيهات أن يتركنا الموت، فالجميع له موعد معه، وكأسه لابد من احتسائه ولو بعد حين.

قصص الأمهات رواية لا تنتهي، سطورها وحي يُوحى، وأحداثها مُتجددة، تخطّها أقلام الوفاء، ولا يفي بحقها إلّا من اتخذ عهدًا مع الله تعالى.

إنّها الأم يا سادة، لا أمتلك براعة البيان في وصف حبّي لأمي، فأنا عندما أنظر إلى أمي أرى الخير مجسدًا فيها، أعشق من الدنيا أمي لا أحد سواها، لذلك فالمشاهد المؤلمة التي تصوّر فقد الآباء والأمهات تؤلمني كثيرًا، وأتجرّع مع أصحابها مرارة الحزن والأسى، ومهما حاولت تقمّص دور المواسي الذي يُعطي دروسًا بليغة في الصبر والثبات، إلّا أنني وفي أعماق نفسي أقول:

على الأمهات تُبتكر جميع معزوفات الأحزان، ولأجلهن تُنصب الجِنان.

وما ألبث أن أعود إلى أحضان أمي لأستعيد قوّتي وأداوي جروح الحياة، ولا أفهم معنى السعادة إلا بجوارها.


error: المحتوي محمي