13 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

ما وراء الدمعة

أشياء كثيرة لا تبدأ حين نراها فبلوغها إلى أعيننا يكون غالبًا بعد رحلة طويلة قطعتها في داخل النفس.

والدمعة واحدة من تلك الأشياء.

فما ينحدر من العين ليس سوى المحطة الأخيرة من حكاية بدأت قبل ذلك بكثير فتراها بدأت في مكان لا تبلغه الأبصار..

في ذكرى رفضت الرحيل أو شوق أطال المقام أو فقد وجد له موطنًا في القلب فبقى فيه.

ولهذا عرف الإنسان البكا قبل أن يعرف البُكاء.

فالبُكاء تراه العين أما البكا فيراه صاحبه وحده.

يسير معه ويجلس إلى جواره ويرافقه في الطريق وفي الخلوة وبين الناس دون أن يلحظه أحد.

وقد تفيض العين لحظة ثم تهدأ ويبقى البكا أعوامًا لا يبرح مكانه.

ومن هنا لا تتشابه الدموع.. فمنها ما ينزل ثم ينقضي أثره..
ومنها ما يحمل وراءه عمرًا كاملًا من المعاني.

ولهذا لم تحفظ الذاكرة الإنسانية كل دمعة واحتفظت ببعضها فقط.. فاحتفظت بدموع تجاوزت حدود أصحابها حتى أصبحت جزءًا من وجدان الناس.

فآدم لم يكن يحمل حادثة مضت وانتهت إذ كان يحمل إحساسًا عميقًا بالخسارة والحنين.

ويعقوب لم يكن ينتظر خبرًا غاب عنه فكان يعيش افتقادًا استقر في أعماق روحه حتى صار جزءًا من كيانه.. حتى بدا وكأن الأيام تمضي من حوله ولا تمضي عليه.

فالزمن يعبر فوق الأشياء أما ما يستقر في الجذور فله حساب آخر ولهذا لم يكن البياض الذي نزل بعينيه أثر سنوات متراكمة فحسب.. فقد كان ثر قلب ظل يبحث عن يوسف في كل الجهات.

ويوسف نفسه عرف طريق الدمع.. فالقلوب الكبيرة لا تفقد قدرتها على التأثر فهي تفقد قدرتها على القسوة.

وكلما ازدادت النفس صفاءً ازدادت إحساسًا بما حولها.. ولهذا لم تكن الدموع بعيدة عن حياة الأنبياء والعظماء.

فالنبي محمد صلى الله عليه وآله عرفها وهو أقوى الناس عزيمة..

وعرفها وهو يحمل أثقال الرسالة..

وعرفها وهو يودع من أحب..

لأن الرحمة إذا بلغت تمامها لم تتحول إلى صخر.

وهنا يبرز سؤال يستحق التأمل:

لماذا تبقى بعض الدموع حيّة بعد مئات السنين؟

فالناس يفقدون أحبتهم كل يوم والفراق صاحب الإنسان منذ عرف الأرض ومع ذلك لا تبقى كل الدموع ولا تستقر كل الأحزان في ذاكرة الأجيال.

السبب أن بعض الدموع لا ترتبط بأشخاص فقط.. إنها ترتبط بمعانٍ أكبر من الأشخاص.

ولهذا لم تتوقف كربلاء عند حدود زمنها.

فما جرى هناك لم يبق حبيس صفحات التاريخ وتحول إلى معنى متجدد يقرأه كل جيل بطريقته..

ولهذا بقي الحسين عليه السلام حاضرًا في القلوب.

فالناس لا تبكي اسمًا مجردًا إذ تبكي ما يحمله ذلك الاسم من وفاء وكرامة وتضحية وثبات وتبكي الإنسان حين يبلغ أسمى درجات الصدق مع ما يؤمن به.

ومن هنا يمكن فهم تلك السنوات الطويلة التي عاشها الإمام السجاد عليه السلام وهو يحمل جرح كربلاء معه فبعض المشاهد لا تنزح عن أصحابها وتبقى كامنة في الذاكرة كالنار في الجمر.

وقد يمر عليها الزمن طويلًا دون أن يطفئ حرارتها فكلما مرت الأعوام ازداد حضورها وضوحًا.

وهكذا تصبح الدمعة أكثر من أثر حزن وتصبح حفظًا للمعنى ووفاءً للذكرى وجسرًا يصل الماضي بالحاضر فلا ينقطع.

والعجيب أن الدموع لا تترك أثرها الأكبر على الخد فذلك الأثر يجف بعد لحظات أما ما تصنعه في الداخل فقد يبقى أعوامًا طويلة.

فكم من قلب خرج من دمعة واحدة أكثر رحمة وأقرب إلى الناس وأشد إحساسًا بآلامهم.

وما يعلق بالروح من الدموع أعمق مما يعلق بالعين فالعين تفرغ ما فيها ثم تهدأ أما القلب فقد تبدأ رحلته الحقيقية بعد ذلك.

ولهذا لا يُختصر البكاء في كونه استجابة للحزن..
فكثير من الدموع تحمل في داخلها معاني الحب والوفاء والارتباط والاعتراف بالجميل.

وقد تكون بعض الدموع صورة من صور الوعي قبل أن تكون صورة من صور الأسى لذلك لا تستغرب أن تجتمع الحكمة والدمعة في قلب واحد.

فالقلب كلما ازداد حياء ازداد إحساسًا وكلما ازداد إحساسًا اتسعت فيه مساحة الرحمة وكلما اتسعت الرحمة أصبح أبعد عن الجفاف.

ولهذا ظلت الدموع ترافق مسيرة الأنبياء والأوصياء والصالحين والعظماء.

لا لأنها غلبتهم..

ولا لأنهم عجزوا عن حمل ما واجهوه..

وإنما لأن إنسانيتهم كانت أكبر من أن تتبلد.

فإذا كان البُكاء دمعة تراها العين…

فإن البَكا وطنٌ كامل تسكنه الروح..

ولا يعرف مداه إلا من أقام فيه طويلًا.


error: المحتوي محمي