12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

رحلة الإنسان مع ذاته (1)

تتطلّع النفس في اللحظات الصعبة والأوقات الحرجة إلى يدٍ حانية تنتشل صاحبها من البؤس والألم النفسي المحيط به وتبعث فيه الأمل مجددًا، ولا يدري بأن أعظم طوق نجاة يتمسّك به حينئذٍ هو ذاته، نعم ذاته؛ طبيب يداوي جروحه حين تتكاثر عليه الهموم والعثرات، وبقوة إرادته وعمله الدؤوب ونَفَسه الطويل ينقلب المشهد فجأة، فيتحوّل من أسيرٍ لجراحه إلى صانعٍ لتماثله للشفاء، وانقشاع عاصفة عاتية استطاع بعدها أن يسترجع التعافي ومداواة جروحه وآلامه.

وهذا لا يعني بالضرورة غياب الألم، بقدر ما هو تكيّف مع الأوضاع الصعبة والقدرة على النهوض بعد المتاعب، بل والانطلاق في رحلة تأملٍ معرفية في تلك الأدوات التي تمثّل نقاط قوة واقتدار في طريق عمله وإنجازه. يكتشف منابع القوة الكامنة في أعماق نفسه التي تسعفه على تفادي السقوط المدوي والقدرة على التعافي بعد كل تعثّر.

فالنور الذي يضيء درب الإنسان لا يُطلب من الخارج إذا كانت نفسه مظلمة ومفلسة من أسباب النجاة والتعافي، فكل أضواء العالم لن تضيء النقطة المعتمة ما لم تكن فيها قدرة ذاتية على معالجة الانهيار الداخلي. وهذه الحقيقة تمثل أهم مبادئ العمل والاقتدار والتكامل في الحياة، فلا يُنظر إلى الإنسان بوصفه كائنًا عاجزًا ينهار مع أول صفعة من الزمن، ويتحوّل إلى نصف روح تتطلّع إلى الخلاص والخروج من الركام المنهار عليه من خلال مدّ الآخرين يد المساعدة له.

ويتغافل هذا الإنسان عن حقيقةٍ من أهم الحقائق المتعلقة به، وهي تكريمه بالقوة التفكيرية والنفسية والوجدانية المرتبطة بهمته وإرادته؛ ففي دواخله يحمل قابلية التغيير والإصلاح والارتقاء، متغلبًا على ما يواجهه من ظروف غير مؤاتية وعاصفة. فالبداية تنطلق من الداخل بقرارٍ واعٍ بمواجهة الضعف والارتهان للظروف الحياتية، والقيام بمحاسبة النفس على كل ما يصدر منها، والسعي إلى تهذيبها وتخليصها من التعلّق بالأهواء والشهوات والأماني الفارغة.

إن بناء المناعة النفسية والوجدانية أمام الأزمات والأحداث الجسام ومحطات التعثّر يبدأ من الوقوف على قدراته وتناسبها مع الأهداف التي يسعى إلى تحقيقها، فالمحاسبة مراجعة واعية تكتشف مواضع الخلل، وتعيد تصحيح المسار قبل استفحال الانحراف وتضخّم الأخطاء، مع الاستعداد النفسي لمواجهة ما يعترض طريقه من عراقيل وعثرات.

والمعالجة الذاتية لما نواجهه من أخطاء وأوجه تقصير في أحاديثنا ومواقفنا وعلاقاتنا وتصرفاتنا تنطلق من مبدأ عدم إنكار صدورها أو إنكار التألم من أي موقف نواجهه، فالمعالجة تبدأ من الاعتراف بالأضرار والآلام النفسية الناتجة عن الأزمات والصدمات، ومن ثم تبدأ رحلة العلاج عبر الوعي بطبيعة الأحداث، والصبر على ما يكتنفها من صعوبات، والاستعانة بالله تعالى على مواجهتها وتحمل وقعها الثقيل.

فالتعثّر والسقوط جزء من التجربة الإنسانية، ولا محالة من وقوعه، ولكن الإقامة في السقوط ليست قدرًا محتومًا، بل يمكن للإنسان أن يحوّلها إلى فرصة لتحريك قدراته نحو المواجهة والخلاص والنهوض مجددًا.


error: المحتوي محمي