12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

هل هلاله

وكانت دموع جدتي تسبق كلماتها، ودموع جدي تختبئ خلف صمته المهيب. كنت أراهما يومها كأنهما يحملان حزن أقدم من العمر، حزن  لا أعرف له اسم ، لكنه كان يسكن الجدران والطرق المؤدية إلى المآتم.

أخذني جدي بيده، ومضى بي نحو المأتم. كانت قبضته على يدي كقبضة الزمن على الذكريات؛ قوية حتى شعرت أن عظامي الصغيرة توشك أن تتكسر بين أصابعه.

قلت له متألم:
“يا جدي… ستكسر يدي.”

لكن صوته كان غائب في مكان آخر، وكأن روحه سبقت جسده إلى حيث المصاب. أعدت النداء مرة ثانية، ثم ثالثة، فلم يلتفت إليّ. حتى نزعت يدي من يده، فانتبه فجأة، ونظر إليّ بعينين أثقلهما البكاء.

قال بصوت  ارتجف بين صدره ودمعته:
“أوجعتك يا ولدي؟”

ثم تنهد تنهيدة طويلة كأنها خارجة من قلب حمل من الأحزان ما تعجز عنه الجبال.

وقال:
“والله ما أردت أن أؤذيك، ولكن لعلها رسالة ستفهمها يوماً… تمسك بالمأتم كما تمسكتُ بيدك الآن، بل أشد. فإن أفلتَّ منه مرة ، ستقضي عمرك تبحث عن دفئه. واحضر هذه المجالس ما حييت، وابذل لها مهجتك ما بقيت، فهنا تُحفظ الأرواح من الضياع، وهنا يجد القلب التائه طريقه.”

دخلنا المأتم…

وكانت الرائحة الممزوجة بالآسى والدموع تملأ المكان، والآهات تتصاعد من الصدور كأنها نداءات قلوب ما زالت تنزف منذ قرون.

أجلسني جدي إلى جوار الصغار، ثم ابتعد قليلا. كنت ألتفت إليه بين الحين والآخر، فأراه غارق في بحر من الحزن النبيل؛ عينٌ تفيض بالدموع حتى أخالها لن تجف أبد اً وعينٌ أخرى تراقبني بصمت، كأنها تودع في روحي وصية لا تُكتب بالحبر، بل بالدمع.

وفي تلك اللحظات، لم أفهم كثير  مما كان يجري حولي، لكنني أدركت شيئ واحد …

أن يد جدي التي آلمتني قليل  ، كانت تحاول أن تربطني إلى الأبد بطريق خاف أن أضيعه.

رحمك الله يا جدي…

فكلما دخلت مأتم  بعد رحيلك، شعرت بقبضتك تعود إلى يدي، لا تؤلمني هذه المرة، بل تسندني. وكلما ارتفعت الآهات، سمعت صوتك يأتيني من بعيد:

“لا تترك هذا الباب يا ولدي… ففيه عمرنا، وفيه دموعنا، وفيه ما تبقى لنا من الوفاء


error: المحتوي محمي