12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

مدرسة الإمام الحسين (ع) وسنة جديدة بتصفية النفوس

مع إشراقة العام الهجري الجديد 1448هـ واستقبال شهر محرم الحرام، تتجدد الدعوة إلى مراجعة النفس وتطهير القلوب من كل ما يعكر صفو العلاقات الإنسانية. فالحياة أقصر من أن تُهدر في الخصومات، وأجمل ما يستقبل به الإنسان عامًا جديدًا هو التسامح والعفو وصفاء القلب.

إن الحقد والكره والحسد والقطيعة لا تجلب لصاحبها إلا الهم والضيق والتعب، بينما يمنح التسامح والمحبة راحة للنفس وسكينة للقلب، ويقوي أواصر الأخوة والتراحم بين الناس. ومحرم الحرام، بما يحمله من معانٍ إيمانية وقيم أخلاقية عظيمة، فرصة مناسبة لفتح صفحات جديدة مع الآخرين، ومد جسور المودة والإصلاح.

والإمام الحسين (عليه السلام) يعلمنا القيم والمبادئ والأخلاق الحسنة التي تنير دروب الحياة وترشد الإنسان إلى طريق الحق. فقد جسّد في سيرته العطرة معاني الصدق والإخلاص والشجاعة والصبر والتضحية، ووقف موقفًا خالدًا دفاعًا عن الحق ورفضًا للانحراف.

ومن مدرسة الإمام الحسين (عليه السلام) نتعلم أن الإنسان ينبغي أن يكون ثابتًا على مبادئه، متمسكًا بقيمه، محبًا للخير، ومتخلقًا بالأخلاق الفاضلة في تعامله مع الجميع. كما نتعلم منه التسامح والرحمة وعزة النفس والوفاء والإيثار، وهي قيم تبني مجتمعًا متماسكًا تسوده المحبة والاحترام.

ومع حلول شهر محرم الحرام من هذا العام الجديد 1448هـ، نستحضر هذه المعاني العظيمة، فنجعل من ذكرى الإمام الحسين (عليه السلام) منطلقًا لتجديد العهد مع الأخلاق الحسنة، وتصفية النفوس من الأحقاد والخصومات، والعمل على نشر المحبة والوئام بين الناس.

وفي السنوات الأخيرة أصبح كثير من الناس يلاحظون تنامي بعض الخلافات الأسرية والاجتماعية، وما يرافقها من حالات قطيعة وخصام بين الأقارب والمعارف. ونسمع بين الحين والآخر قصصًا مؤلمة عن خلافات استمرت سنوات طويلة بسبب سوء فهم أو مواقف كان بالإمكان تجاوزها بالحوار والتسامح.

فكم من شخص انقطعت علاقته بأحد والديه أو إخوته أو أخواته بسبب خلاف عابر، وكم من قريب أو صديق ابتعد عن أحبته سنوات طويلة بسبب موقف أو كلمة أو سوء تقدير. بل إن بعض الخلافات امتدت آثارها إلى الأبناء والأحفاد، فأصبحت القطيعة تتوارثها الأجيال بدلًا من أن تتوارث المحبة وصلة الرحم.

وللأسف، قد تحدث مثل هذه المواقف حتى بين أشخاص يُعرف عنهم الخير والصلاح، ورغم محاولات الإصلاح والوساطة فإن بعض الخصومات تستمر سنوات طويلة، فتزداد الفجوة بين الأطراف وتتعقد العلاقات أكثر فأكثر.

وقد تصل بعض الخلافات إلى مراحل مؤلمة يحرم فيها الإنسان نفسه من أداء واجب العزاء أو المشاركة في تشييع قريب أو صديق، وهو مشهد يدعو إلى التأمل ومراجعة النفس قبل فوات الأوان.

ومن أشد ما يؤلم الإنسان أن يفقد عزيزًا أو قريبًا وبينهما خصام أو قطيعة، فحين يغيب الأحبة إلى دار الآخرة تنطفئ فرصة اللقاء، وتبقى في القلب كلمات لم تُقل، ومواقف كان يمكن إصلاحها، فيشعر المرء بالندم والحسرة على ما فات.

إن الخلافات مهما كبرت تبقى صغيرة أمام قيمة المحبة وصلة الرحم والأخوة. فكثير من الناس يظنون أن أمامهم وقتًا طويلًا للمصالحة، لكن الموت يأتي دون موعد، فيرحل الأحبة وتبقى الذكريات والأسئلة المؤلمة: لماذا لم أبادر؟ ولماذا لم أسامح؟ ولماذا تركت الخصومة تستمر كل هذه السنوات؟

ومن المهم أن يتذكر الإنسان أن الدنيا دار ممر لا دار مقر، وأن ما يبقى له هو عمله الصالح وأثره الطيب بين الناس. ولذلك فإن مراجعة النفس وإصلاح العلاقات ورد المظالم والتسامح مع الآخرين من أعظم ما يستقبل به الإنسان عامًا جديدًا.

فلنحرص جميعًا على تصفية النفوس، وصلة الأرحام، وإصلاح ذات البين، قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه الندم، ولا تعود فيه الفرص الضائعة.

ولنستقبل العام الهجري الجديد 1448هـ بقلوب نقية، وألسنة طيبة، وأعمال صالحة. فما أجمل أن يكون شعارنا في هذا العام: «عفو عند المقدرة، ومحبة تجمع القلوب، وتسامح يزرع الألفة بين الجميع».

وهذا ما نتعلمه من الإمام الحسين (عليه السلام) ومدرسة عاشوراء. السلام على الإمام الحسين يوم وُلد، ويوم استُشهد، ويوم يُبعث حيًا، وجعلنا الله من السائرين على نهجه، والقائمين بقيمه ومبادئه النبيلة.


error: المحتوي محمي