12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

كيف نحيي عاشوراء؟

من أبرز ما يمكن تقديمه خلال إحياء ذكرى الإمام الحسين (عليه السلام) السعي إلى تجسيد القيم الحضارية، واستعراض عمق الفكر والعقلانية، بالإضافة إلى التركيز الجاد على دور العلم والمعرفة في الارتقاء بالإنسانية. وينبغي أيضًا الحرص على الالتزام بالذوق الرفيع وتقدير الإنجازات الحضارية التي تعكس تقدم المجتمعات.

وتبرز أهمية الاستفادة من مجالس عاشوراء التي تُعقد طوال الموسم الأول من شهر محرم، حيث تقدم هذه المجالس فرصًا للتأمل والتعلم واستلهام القيم السامية التي نادى بها الإمام الحسين (عليه السلام). وإذا كانت هذه الذكرى العظيمة تُلهب مشاعرنا وتثير عواطفنا، فإن تلك الأحاسيس تعد قوة حيوية تدفعنا إلى تعزيز محبتنا للإمام الحسين (عليه السلام)، والإيمان العميق بالمبادئ والقيم التي كان يجسدها ويدعو إليها. كما أنها تحفزنا على تحويل تلك القيم والمبادئ إلى منهج عملي ملموس في حياتنا اليومية.

من أخطر الظواهر التي قد تواجهنا في إحياء هذه الذكرى أن يصبح التركيز على المظهر والشكل هدفًا بحد ذاته، وأن يحل محل الجوهر والمضمون الحقيقي. وهنا يطرح تساؤل مشروع: ما الفائدة من الإحياء إذا تحول إلى مجرد مظاهر فارغة لا تقدم ولا تؤخر؟ وما معنى حضورنا لهذه المراسم إن كانت تصرفاتنا خارجها تتعارض مع المبادئ والقيم التي تمثلها هذه الذكرى العظيمة؟ وما جدوى أي ممارسة أو نشاط إذا لم ينعكس أثره الإيجابي على سلوك الإنسان وعلاقته بمجتمعه؟

هذه التساؤلات لا تأتي من باب التشكيك في نوايا الناس أو دوافعهم، بل هي دعوة صادقة للتأمل والتمعن في عمق هذه المناسبة العظيمة. إنها تذكير متواصل بأهمية أن يعاهد كل واحد منا نفسه وإخوانه على الالتزام بالمعاني الجوهرية لرسالة الإمام الحسين (عليه السلام)، والعمل على إحيائها.

إن حاجتنا اليوم إلى ترسيخ قيمة الحب باتت مطلبًا ملحًا، خاصة إذا استلهمنا هذه القيمة السامية من سيرة الإمام الحسين (عليه السلام) ورسالته الإنسانية التي ألهمت البشرية مبادئ سامية عبر التاريخ. فقد علمنا الإمام الحسين ومن سار معه في كربلاء أن المجتمع يشبه النخلة، لا يمكن أن تكبر أو تؤتي ثمارها إلا عندما تُروى بماء الحب النقي، هذا المورد العذب الذي ينبغي علينا أن نحافظ عليه ونرعاه رعاية عظيمة.

وتقع مسؤولية الحفاظ على هذه القيمة الإنسانية السامية على عاتق كل فرد في المجتمع، حيث تشكل الأساس الذي يقوم عليه تحقيق الازدهار. فلا يمكن تصور مجتمع يتقدم أو يزدهر في بيئة تغلب فيها الأحقاد النفسية، أو تطغى عليها مشاعر الكراهية والبغضاء والحسد. فكلما تعززت روابط الحب بين الأفراد كان لذلك انعكاس إيجابي على نمو المجتمع ورقيه.

ويعلمنا الإمام الحسين (عليه السلام) أرقى معاني السمو والأخلاق من خلال تجسيد صفاء الحب بين أفراد المجتمع الواحد. تلك الفضيلة الرفيعة التي، عندما تحملها قلوب الأفراد، تحولهم إلى زهور ينجذب إليها كل من يلمحها، ويستمتع بقربها، ويتأمل جمالها، ويتنسم شذاها بكل معاني الحب والسعادة.

وينبغي لكل فرد منا أن يتأمل في أعماق ذاته، وأن يرى مع حضوره مراسم إحياء هذه الذكرى، إن كان هذا الحضور يعزز في داخله معاني الحب الحقيقي ويعمق جذوره. فإذا كانت الإجابة إيجابية، فإن ذلك يعد من ثمار الحضور الصادق والنقي. أما إذا جاءت الإجابة سلبية، فإن الإحياء الذي لا يرسخ الحب ولا يغرسه بعمق يصبح فاقدًا لقيمته وجدواه.

وعندما نحضر هذه المجالس، تكون لدينا فرصة رائعة لنفتح قلوبنا لبعضنا البعض، ونتخلص من الحقد والأمراض الاجتماعية التي تفتك بعلاقاتنا ومودتنا. ويساهم حضورنا الصادق والفعال، الذي نسعى إليه بحماس مع انطلاق كل موسم من مجالس عاشوراء، في تعزيز الروحانية والتعاطف الاجتماعي.

ولا نجعل الحب يتحول فيما بيننا إلى مجرد مظاهر زائفة تخرج من شفاهنا وتلفظها ألسنتنا دون أن تصل إلى قلوبنا وتحرك ضمائرنا. لنبنِ حياتنا على أساس الحب والتكاتف والتعاون، ونسعى جاهدين إلى القضاء على أي سلبيات تتسلل إلى نفوسنا. فبالحب والتعاون نستطيع أن نكون أوفياء للمبادئ والقيم الإنسانية التي جسدها الإمام الحسين (عليه السلام) في سيرته ومواقفه.

ولتحقيق إحياء أفضل لهذه المراسم وتعزيز الإصلاح الحقيقي على المستويين الفردي والاجتماعي، يتحتم على القائمين على المجالس والبرامج الثقافية والاجتماعية المرتبطة بالموسم أن يبنوا ممارساتهم على أسس قوية تهتم بالمضمون وتعطي لهذه المجالس قيمة أكبر. ويجب أن يكون تركيزهم الأكبر على بناء الإنسان، وخاصة الشباب والأطفال، من خلال تعليمهم المبادئ والأخلاقيات التي دعا إليها الإمام الحسين (عليه السلام). كما ينبغي تعريفهم بمن وقفوا معه في كربلاء بما جسدوه، ليكونوا قدوة يحتذى بها.

فالإحياء لا يقتصر فقط على حضور مجلس أو فعاليات ثقافية وشعرية مرتبطة بالمناسبة، بل يصبح الإحياء حقيقيًا عندما تتحول هذه الأنشطة إلى وسائل عملية تسهم في تشكيل الإنسان على قيم ومبادئ الإمام الحسين (عليه السلام)، مثل الحب، والتعاون، والتكافل الاجتماعي، وتعزيز الروابط داخل الأسرة وفي المجتمع بصفة عامة.

ويظهر الإحياء أيضًا في الجهود المبذولة لتجاوز بعض العادات التي باتت تؤثر سلبًا على تقاليدنا الاجتماعية، حيث تحولت بعض المناسبات إلى منافسات لاستعراض الفخامة من خلال إقامة الفعاليات في قاعات ومنتجعات راقية، وابتكار ممارسات جديدة تزيد الأعباء المالية والاقتصادية والنفسية على الأفراد والعائلات دون أي ضرورة حقيقية لها.

مراسم عاشوراء واستخلاص الدروس والعبر

تعد المنابر ومراسم عاشوراء فرصة ثمينة لاستخلاص أعظم الدروس والعبر التي تنعكس على حياتنا وسلوكياتنا اليومية. فمن شأنها أن تعلمنا قيم الخشوع، وحب الخير للناس، وتعزيز العلاقات الطيبة بيننا، والاهتمام بالنظام في جميع جوانب حياتنا، بما في ذلك تنظيم مجالسنا، حيث يعكس النظام صورة حضارية ومدلولًا عميقًا على الالتزام والمسؤولية.

المضائف في موسم عاشوراء ومسؤولية الوعي

لا شك أن لإطعام الطعام في هذه المناسبة أهمية اجتماعية كبيرة لا يمكن التغاضي عنها، فهو يعزز الروابط الاجتماعية، ويخلق أجواء محفزة على الفضيلة، ويغرس قيم التعاون والتلاحم بين الناس. وهذه الممارسة، خصوصًا إذا ارتبطت بالتوجيه والإرشاد، تحمل قيمة مضافة كبيرة للمجتمع.

ولكن مع ذلك، لا يمكن إنكار أن طريقة تعاملنا مع إطعام الطعام وتناوله تحتاج إلى مراجعة جادة. ففي بعض الأحيان نلاحظ سلوكيات غير حضارية تتجلى في مظاهر الطمع والإسراف، حيث قد يقدم للشخص طبق من الطعام في أحد المضائف، فيتناول جزءًا يسيرًا منه، ثم يبحث عن طبق آخر في مجلس آخر بحثًا عن التنوع، مما يؤدي إلى هدر كميات كبيرة من الطعام تنتهي في القمامة.

فهل هذا تصرف مقبول؟ ألم يحن الوقت لتغيير هذه العادات واستبدالها بسلوكيات أكثر رشدًا وتوازنًا؟

هناك شعوب تحلم بوجبة بسيطة لسد جوعها، بينما نحن نهدر من النعم ما قد يكفي لإشباع الكثيرين. أليس من الأجدر التفكير في تقنين الكميات المقدمة من الطعام، والعمل على ضبط الإنفاق وتجنب الإسراف؟ إن تقليل الكمية المشتراة وتحديد ما يُقدم قد يكون خطوة بسيطة لكنها ذات أثر كبير في محاربة الهدر وترسيخ ثقافة الاعتدال والوعي.

ومن بين أهم مظاهر النظام التي يجب مراعاتها الحفاظ على النظافة والترتيب، وهو مبدأ ينبغي أن يترسخ في ثقافتنا. فبدلًا من الاعتماد على الآخرين في تنظيف المناطق المحيطة بنا، يتوجب علينا أن نتحلى بالمسؤولية ونساهم بشكل فعال في حماية البيئة من مظاهر التلوث. لذا يُقترح توفير خدمة استقبال وجمع الفضلات، مثل العلب الفارغة وغيرها، خلال الفعاليات والمواكب المرتبطة بالموسم بهدف تعزيز ثقافة المحافظة على النظافة.

مجالس عاشوراء فرصة لتعلم الذوق العام واحترام النظام

كما أن حضور مجالس العزاء فرصة لتعلم الذوق العام واحترام النظام في الساحات العامة والشوارع. ويمكننا التعاون مع رجال المرور من خلال الالتزام بالتعليمات، وعدم الوقوف في أماكن غير مخصصة للوقوف، أو ارتكاب المخالفات المرورية، بما يضمن سهولة حركة المرور ويمنع انتشار الفوضى.

وتعد هذه السلوكيات البسيطة تجسيدًا عمليًا للقيم التي ينبغي استلهامها وترجمتها إلى ممارسات واقعية تسهم في تعزيز التماسك المجتمعي وإرساء أسس تنظيمية أكثر فاعلية في بناء مجتمع مترابط ومتكامل.

وعند إحياء ذكرى الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه، من الضروري أن نركز على الأساس والروح الحقيقية لهذا الإحياء، لا أن نتوقف عند المظاهر الخارجية مثل الأكل والشرب أو حضور المجالس بصفة شكلية فقط. فالمطلوب أن يكون الشكل وسيلة تخدم المضمون وتعبر عنه.

ومن المهم أن يقودنا هذا الإحياء إلى نتائج إيجابية تعزز قيمنا وسلوكياتنا على المستويين الشخصي والاجتماعي، بحيث تنعكس تلك القيم في كل أبعاد حياتنا.

لذلك، يجب أن نسائل أنفسنا باستمرار: ما موقعنا من مضمون هذا الموسم العاشورائي؟ وهل يتجسد فهمنا الحقيقي للإحياء في أفعالنا وسلوكياتنا؟ فالإحياء الصحيح للذكرى ينبغي أن يقدم إجابة عملية وواضحة ترتبط بالجوهر الحقيقي لهذه المناسبة وتظل وفية له.


error: المحتوي محمي