12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

أأنت مستعد للعام الهجري الجديد؟

تمضي الدقائق والساعات، وتتوالى الأيام والأسابيع والشهور والسنوات، وكثيرٌ منا يعيشها كما تأتي دون أن يتوقف ليسأل نفسه:

• ما الذي ينبغي أن أغيّره في حياتي على المستوى الشخصي؟
• وما الذي يمكن أن أقدمه لعائلتي؟
• وما الأثر الذي أود أن أتركه في مجتمعي؟

كثير من الناس يعيشون حياةً عادية بكل تفاصيلها؛ يولد الإنسان، ويتربى، ويدرس، ويتخرج، ويعمل، ويتزوج، ويربي أبناءه، ثم يقضي سنواته الأخيرة بين بيته والديوانية أو مجالسه المعتادة حتى يأتيه أمر الله.

ولا عيب في الحياة الهادئة أو البسيطة، فليست قيمة الإنسان في شهرته أو حجم إنجازاته، ولكن السؤال الأهم هو:

هل عشت حياتك بوعي؟ وهل تركت أثرًا إيجابيًا يجعل وجودك أكثر معنى؟

وسؤالي لك أيها الحبيب:

هل ترغب أن تمضي سنوات عمرك كما مضت سنوات الأمس دون تغيير يُذكر؟

أم أنك تطمح إلى أن تكون من أولئك الذين يتركون بصمة طيبة في حياة الآخرين؟

بصمةً قد تكون علمًا نافعًا، أو ولدًا صالحًا ناجحًا، أو صدقةً جارية، أو مشروعًا خيريًا، أو كلمةً ملهمة، أو موقفًا نبيلًا لا يُنسى.

لقد رُوي عن الإمام علي عليه السلام:

«مَنِ استوى يوماه فهو مغبون».

وهو معنى يدعونا إلى أن يكون يومنا أفضل من أمسنا، وأن يكون غدنا أفضل من يومنا.

ولهذا أدعوك الآن إلى تمرين بسيط وعميق في الوقت نفسه.

أغمض عينيك للحظات…

وتخيّل نفسك وقد بلغت الثمانين أو التسعين من العمر.

تخيّل أنك تجلس مع ما يسميه بعض المختصين في التطوير الذاتي:

«ذاتك الأكثر حكمةً ونضجًا» (Elder Wiser Self).

ثم اسألها:

ما الذي سيجعلني أشعر بالرضا والسعادة عندما أنظر إلى حياتي؟

وما الذي سأتمنى أنني فعلته لنفسي؟

ولعائلتي؟

ولمجتمعي؟

غالبًا لن تخيبك «ذاتك الأكثر حكمةً ونضجًا».

فإذا منحتها التأمل الكافي والوقت المناسب، فستكشف لك كثيرًا مما هو مهم حقًا، وستساعدك على التمييز بين ما هو عاجل وما هو جوهري، وبين ما يشغل حياتك وما يصنع حياتك.

وما دام الطريق قد بدأ يتضح أمامك، فإن الخطوة التالية ليست مجرد الأمنيات، بل التخطيط والعمل.

فالأحلام التي لا تتحول إلى أهداف واضحة وخطوات عملية تبقى مجرد أمنيات جميلة.

* ضع لنفسك أهدافًا للعام الجديد.
* اكتبها.
* راجعها.
* وقسّمها إلى خطوات صغيرة قابلة للتنفيذ.

فعندما نتأمل في واقع الناجحين نجد أن التخطيط سمة مشتركة بينهم، وهو من المبادئ التي يؤكد عليها المختصون في التنمية البشرية والإدارة وعلم النفس.

والأجمل من ذلك أن ثقافتنا الإسلامية لم تغفل هذا المعنى، بل رسخته في نصوصها وقصصها ومواقفها.

فها هو نبي الله يوسف عليه السلام يضع خطة اقتصادية تمتد لسنوات طويلة عندما فسر رؤيا الملك، فقال تعالى:

﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾.

وها هو القرآن الكريم يدعو إلى الاستعداد والأخذ بالأسباب في قوله تعالى:

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾.

ورُوي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام:

«التَّدْبِيرُ قَبْلَ الْعَمَلِ يُؤْمِنُكَ مِنَ النَّدَمِ».

وعنه أيضًا عليه السلام:

«مَنْ نَظَرَ فِي الْعَوَاقِبِ سَلِمَ مِنَ النَّوَائِبِ».

ولعل هذه النصوص تختصر جوهر التخطيط؛ فالتخطيط ليس محاولة لمعرفة الغيب، وإنما هو نظرٌ واعٍ في المستقبل، واستعدادٌ حكيم لما قد يأتي به الغد، وهي دعوة واضحة للنظر إلى المستقبل والاستعداد له وعدم الاكتفاء بردود الأفعال.

ولعل من أجمل ما نتأمله في الحياة أن جميع الناس يملكون أربعًا وعشرين ساعة في اليوم.

لكن بعضهم استطاع أن يصنع أثرًا عظيمًا في نفسه أو أسرته أو مجتمعه، بينما مرّ آخرون على هذه الحياة مرورًا عابرًا لا يكاد يُذكر.

فما هو الفرق؟

ليس الفرق في عدد الساعات:

• بل في طريقة التفكير.
• وفي وضوح الرؤية.
• وفي القدرة على إدارة الذات واستثمار الوقت فيما ينفع.

فهل أنت مستعد لأن تجعل العام الهجري الجديد نقطة تحول في حياتك؟

هل ستدخل العام الجديد بالأفكار نفسها، والعادات نفسها، والنتائج نفسها؟

أم ستدخل إليه بوعيٍ أعمق، ورسالةٍ أوضح، وخطةٍ تقرّبك من الإنسان الذي تتمنى أن تكونه؟

تذكّر أن ما أنت عليه اليوم هو ثمرة قرارات الأمس، وأن القرارات التي تتخذها اليوم هي التي سترسم ملامح مستقبلك غدًا.

فاختر لنفسك ما يليق بك…

واكتب أهداف

.

وابدأ بخطوةٍ واحدة…

فقد يكون العام الهجري الجديد بداية فصلٍ جديد من حياتك.

والأجمل من ذلك أن تبدأ اليوم، لا غدًا.


error: المحتوي محمي