كثير من الناس يكتشفون بعد مغادرة مواقعهم الوظيفية أن جزءا كبيرا من العلاقات التي أحاطت بهم لم يكن قائما على المودة الحقيقية بقدر ما كان مرتبطا بالمكانة الوظيفية وما تمنحه من قدرة على تقديم الخدمات وتسهيل الإجراءات وتحقيق المصالح
خلال سنوات العمل تتسع دائرة المعارف وتتعدد الاتصالات ويبدو للإنسان أحيانا أنه محاط بعدد كبير من الأصدقاء والمهتمين بأخباره وأحواله لكن مع انتهاء الحياة الوظيفية يبدأ المشهد بالتغير تدريجيا فتختفي اتصالات كانت متكررة وتنقطع علاقات كانت تبدو وثيقة ويغيب أشخاص كانوا حاضرين بشكل دائم
هذه التحولات لا تعني بالضرورة سوء النيات بقدر ما تكشف طبيعة بعض العلاقات التي بنيت على المنفعة المتبادلة فحين تنتهي الحاجة ينتهي معها السبب الذي كان يدفع البعض إلى المحافظة على التواصل والاستمرار في إظهار الاهتمام
العلاقات التي ترتبط بالمصالح وحدها تظل علاقات مؤقتة مهما بدت قوية ومتماسكة لأنها تستمد وجودها من ظرف معين أو منفعة محددة فإذا زال السبب الذي جمع أطرافها تراجعت أو اختفت تماما أما العلاقات الصادقة فهي التي تستمر رغم تغير الظروف وتبدل المواقع والمناصب لأنها تقوم على الاحترام والتقدير الإنساني لا على ما يمكن الحصول عليه من مكاسب
ومع ذلك فإن من الظلم أن ينظر إلى جميع الناس من زاوية واحدة فكما أن هناك علاقات تنتهي بانتهاء المنصب والمصلحة فإن هناك علاقات تستمر وتزداد رسوخا مع مرور الوقت لأن أصحابها لا ينسون المعروف ولا يتجاهلون سنوات العشرة الطيبة والتعامل الحسن فهؤلاء يدركون أن القيمة الحقيقية للإنسان لا ترتبط بوظيفته ولا بمكانته الاجتماعية بل بأخلاقه ومواقفه وسيرته بين الناس
إن استمرار بعض العلاقات بعد التقاعد أو بعد مغادرة المنصب يمثل دليلا على أن الوفاء ما زال حاضرا في نفوس كثير من الناس وأن التقدير الصادق لا تحكمه المصالح العابرة فهناك من يحافظ على التواصل والسؤال والود لأنه يحمل مشاعر احترام حقيقية لا تتغير بتغير الظروف وهؤلاء هم الرصيد الإنساني الثمين الذي يكشفه الزمن وتؤكده المواقف
ومن المفارقات الجميلة أن التقاعد أو مغادرة المنصب يمنحان الإنسان فرصة لمعرفة الأشخاص الذين يستحقون مكانتهم في حياته فبعد انحسار العلاقات المرتبطة بالمصلحة يبقى عدد أقل من الناس لكنه غالبا يكون أكثر صدقا ووفاء وهؤلاء هم الذين عرفوا الإنسان لشخصه وقدروه لأخلاقه ولم يرتبطوا به بسبب منصب أو صلاحية أو نفوذ
إن قيمة الإنسان الحقيقية لا يصنعها الكرسي الذي يجلس عليه ولا المسمى الذي يحمله بل يصنعها أثره الطيب وسيرته الحسنة وتعاملاته الصادقة مع الآخرين فالمناصب مراحل عابرة في حياة البشر أما الوفاء فهو القيمة التي تبقى عندما يرحل كل شيء آخر
ولهذا فإن انتهاء بعض العلاقات بعد انتهاء المنصب لا ينبغي أن يكون مدعاة للحزن بقدر ما هو فرصة لاكتشاف الحقيقة ومعرفة من كان قريبا من الموقع ومن كان قريبا من الإنسان نفسه فحين يرحل الكرسي تظهر الوجوه على حقيقتها وتتضح معادن الناس ويبقى أصحاب الوفاء وحفظ الجميل والعشرة الطيبة شاهدا حيا على أن الخير لا يزال موجودا وأن العلاقات الإنسانية الصادقة قادرة على تجاوز المصالح والظروف وتغير الأحوال…



