12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

مضادات الأكسدة.. دواء في مواجهة الأمراض

إن صحة الإنسان هي أغلى وأهم ما يمتلكه في حياته الدنيوية؛ لأنها مرتبطة ببقائه ووجوده وقدرته على السعي وراء الرزق ومتطلبات الحياة والاستمتاع بمباهجها. ولأن الغذاء هو الدواء، فإننا نعي بأن الله سبحانه وتعالى خلق ثمار الأرض أحد المناجم الضرورية للحياة، ورافدًا أساسيًا من روافد الغذاء الصحي.

وليس من الغريب أن نرى شريحة كبيرة من أفراد مجتمعنا، بعد تجارب شخصية أو علمية، تعود إلى صيدلية الطبيعة، بعدما تبين بالتجربة والممارسة والوعي الصحي ما لهذه الأغذية من فعالية مؤكدة وجانب علاجي مأمون ليس له أعراض جانبية.

عالم الطبيعة من حولنا يمدنا بالعديد من الأغذية التي تحتاجها أجسامنا، والحديث عن أهمية الغذاء الطبيعي في حياة الإنسان يأخذنا إلى حقيقة دور الغذاء في تقوية الجسم، وحفظ الشباب، ومداواة الأمراض.

نتكلم هنا عن مضادات الأكسدة التي عُرِفت كدواء وغذاء عند عالم العلاجات الطبيعية الدكتور جون هينرمان (Dr. John Heinerman) في كتابه الذي صدر بعنوان: Nature’s Super 7 Medicines. وقد قدم نصائح من بحثه تمثل حصيلة دراسات وأبحاث ومفاهيم عن الطب البديل، وآفاقًا ونظمًا غذائية معينة من شأنها أن تسهم في علاج بعض الأمراض.

وقد قدمها على هيئة ممارسات وعادات فعالة، كما كان الأباطرة الصينيون والفراعنة يمارسونها منذ القدم، وكانت معروفة لدى المعالجين الشعبيين الذين كشفوا من خلالها أسرار الشفاء، والتي أثبتت جدواها وقدراتها الهائلة في تنشيط الجهاز المناعي.

وهي آمنة وغير مكلفة، ويمكن العثور عليها بسهولة وبصورة طبيعية في جميع الأغذية النباتية من خضروات وفاكهة، ومعظم الأعشاب الطبية مثل الميرامية، والزيوت النباتية مثل زيت الزيتون والكتان وفول الصويا، وبعض الحبوب مثل القمح والشعير، والبقوليات مثل الفاصوليا الحمراء والبازلاء، والمكسرات كالفول السوداني، كما تتوفر في الأسماك وبيض الدجاج، وكذلك أوراق الشاي الأخضر، الأمر الذي يوفر لنا مشقة المعاناة الصحية ويجنبنا العلاجات الدوائية.

نعم.. اكتشف العلماء قدرة مضادات الأكسدة على تحصين الجسم ضد العديد من الأمراض المستعصية، وزادت الآمال خلال ثلاثة عقود مضت لمكافحة الأورام الخبيثة بالغذاء.

ولكي ندرك ذلك، لا بد من معرفة كيف تنشأ الأورام السرطانية. إنها لا تظهر فجأة دون سبب، بل تحتاج إلى عدة سنوات، وأحيانًا لعقود من الزمن حتى تكون كتلًا واضحة، وفي هذه الأثناء تكون لأجسامنا فرص عديدة للتخلص منها وطردها. نعم، طردها.. فكيف يتم ذلك؟

كل شيء في الحياة قابل للتأكسد، وتسمى هذه العملية «الأكسدة»، وهي الاتحاد مع الأوكسجين. نراها عندما نقطع التفاحة ونتركها فترة قليلة، أو عندما تتعرض قطعة الحديد للهواء. ونفس الشيء يحدث داخل جسم الإنسان.

فكل طعام نأكله تحصل فيه عملية الأكسدة، وهذه الأكسدة ليست مضرة إذا حدثت بشكل طبيعي وفي نطاق محدود، لكن المشكلة تكمن عندما تتحرر جزيئات أكسجين شديدة التفاعل وغير مستقرة تسمى «الجذور الحرة» (Free Radicals)، القادرة على الوثب حول خلايا الجسم والاستيلاء على الإلكترونات من الجزيئات الأخرى، وحثها على سرقة الإلكترونات أيضًا.

وهذه التفاعلات المتسلسلة تتسبب في تحطيم الحمض النووي في الخلية (DNA).

وعندما تهاجم الجذور الحرة الجسم بشكل كبير ومستمر، يدخل في حالة خطرة، ومع الوقت تؤدي عملية الأكسدة إلى حالة تسمى «الإجهاد التأكسدي»، تعمل على تلف خلايا وأنسجة الجسم السليمة، وقد تؤدي إلى حدوث طفرات جينية تزيد من احتمالية تحولها إلى خلايا سرطانية.

ويرتبط الإجهاد التأكسدي الناجم عن الجذور الحرة بالأمراض الآتية:

* أمراض الجهاز العصبي المركزي مثل الزهايمر.
* أمراض القلب والأوعية الدموية.
* أمراض المناعة الذاتية والاضطرابات الالتهابية.
* السرطان.
* التهاب المفاصل.
* الشيخوخة المبكرة.
* تساقط الشعر.
* السكري.

والسؤال الذي يطرح نفسه: هل الجسم قادر على الدفاع عن نفسه أمام هذه العمليات؟

الإجابة: نعم.

ففي جسم الإنسان نظام دفاعي مذهل ورائع يقف المرء أمامه مبهورًا. فلو أراد عدد كبير من البشر أن يحموا مكانًا ويحصنوه، لما استطاعوا أن يفعلوا ذلك بهذه الكيفية.

فالجهاز المناعي لديه القدرة، ولكن في حدود المعقول، إذا كان الشخص ملتزمًا بضوابط صحية من ناحية الغذاء والرياضة والنوم والصحة النفسية.

أما إذا كان الشخص يتبع أسلوب حياة غير صحي، فسوف تزداد أعداد هذه الجذور الحرة إلى درجة أن الجهاز المناعي لن يستطيع الدفاع عن الجسم، فتقوم الجذور الحرة بمهاجمة خلايا الجسم السليمة، وبالتالي قد تتحول إلى خلايا سرطانية.

الآن نأتي إلى مصطلح «مضادات الأكسدة»، الذي تتكرر على مسامعنا يوميًا الدراسات الصادرة من مراكز الأبحاث التي تؤكد فاعليته في الوقاية من الأمراض ومقاومتها.

فما هي مضادات الأكسدة؟ وما فوائدها؟ ومن أين نحصل عليها؟

مضادات الأكسدة هي مجموعة من العناصر والمركبات الموجودة بصورة طبيعية في الأغذية النباتية، وقد تحتوي الأغذية على نوع أو أكثر منها بكميات متفاوتة.

ومن أبرز مضادات الأكسدة المعروفة:

* الفلافونويدات (Flavonoids).
* الكاتيشينات (Catechins).
* الكاروتينويدات (Carotenoids).
* فيتامين C.
* فيتامين E.
* السيلينيوم.
* الزنك.

وتوجد هذه العناصر والمركبات بوفرة في الفاكهة والخضروات المختلفة وقشور الحمضيات، كما توجد في بعض الحبوب والبقوليات.

أما آلية عمل مضادات الأكسدة، فهي الدفاع عن الجسم لتقليل أو منع الضرر الذي يمكن أن تسببه الجذور الحرة، إذ إنها قادرة على التبرع بإلكترون دون أن تتحول إلى جذر حر قابل للتفاعل.

وهذا الأمر يجعلها تعطي إلكترونًا للجذر الحر فيتوقف عن التفاعل.

ونحن نتساءل: لماذا تتصرف الجذور الحرة بجنون؟

لأن مدارها الخارجي ناقص إلكترون، وهذه الأطعمة الجيدة تستطيع أن تعطي إلكترونًا للجذر الحر لكي يستقر.

وتعد مضادات الأكسدة أعداء الجذور الحرة، فهي تحمي الخلايا من آثارها الضارة التي تنتج بصورة طبيعية عن عمليات التحول الغذائي، والتي تزداد حدة وشراسة في حالات المرض والإرهاق النفسي والجسدي.

لذلك نجد أن الصفة الخاصة للأغذية الطبيعية الغنية بمضادات الأكسدة أنها تستطيع أن تهب إلكترونًا للجذر الحر لكي يستقر دون أن تتحول هي نفسها إلى جذر حر، فتوقف سلسلة التدهور في خلايا الجسم.

وقد يسأل سائل: ماذا استفدنا؟ تلك الأطعمة التي تهب إلكترونًا سوف تفقد إلكترونًا وتتحول إلى جذور حرة!

والجواب: لا.

فنحن أطلقنا عليها «مضادات الأكسدة» لأن فيها خاصية فريدة، وهي أنها إذا فقدت إلكترونًا لا تتحول إلى جذر حر.

وهل كل الأطعمة كذلك؟

الجواب: لا.

فاللحوم الحمراء والمقليات والمخبوزات والسكريات الحرة والأطعمة المصنعة ذات تأثير حمضي، ويمكن أن تسهم في زيادة الجذور الحرة، بينما مضادات الأكسدة ذات تأثير معاكس يساعد على الحد من هذه العملية.

والنتيجة التي توصلنا إليها هي أن الإفراط في تناول الأطعمة المولدة للجذور الحرة يزيد من الضغوط التأكسدية على الجسم.

ولذلك، عندما تذهب إلى مركز التسوق ويطلب منك ابنك شراء الشيبس أو البفك أو الإندومي أو غيرها من الوجبات الخفيفة، فكر في بدائل غذائية أكثر فائدة.

وعندما تذهب إلى المطعم ويطلب وجبة سريعة أو بروستد الدجاج، حاول أن تستبدلها بخيارات أكثر صحة مثل الدجاج المشوي.

ويشير الدكتور مايكل غاينور (Michel Gaynor)، عالم الأورام في مركز كورنيل الطبي، إلى أن الباحثين بدأوا في اكتشاف عشرات المركبات الكيميائية المفيدة الموجودة في الفواكه والخضروات المعروفة.

واليوم ازدادت معرفتنا بطبيعة هذه المركبات، ويأمل العلماء أن تكون سببًا في تعزيز الوقاية من العديد من الأمراض.

ويقول الدكتور غاينور: «لقد عرفنا طريقنا إلى تلك الغاية، والمستقبل هو الغذاء».


error: المحتوي محمي