المقدمة
المال والمصيبة فتنة ونعمة، وعلى ضوء تعاملنا معهما، وكيف نرعاهما بالشكر أو الطغيان في الأولى، وبالتفويض أو السخط في الثانية، تتحدد عاقبتنا. فإن أحسنا وصبرنا فزنا، وإن أسأنا في الحالتين هلكنا.
أولاً: المال.. اختبار قبل أن يكون نعمة
ينظر كثيرون إلى المال على أنه تكريم من الله ودليل رضاه عن العبد، وكلما زاد زاد شعور صاحبه بالاستحقاق، حتى تتجه نحوه سهام الحسد من المحيطين به الذين يتمنون مثله لما يرونه من ظاهر الرفاهية. لكن قلّ من يسأل: لماذا أُعطي هذا المال؟ وربما سُلِب معه ما هو خير منه كالصحة، فهل هذا التصور دوماً صحيح؟
الحقيقة أن المال اختبار قبل أن يكون عطاءً. فالبعض يبغي ويتكبر، كأنه حصل عليه بجهده وحده، متناسياً أنه ابتلاء ليرى الله ماذا سيفعل به. يحبسه عن نفسه، ويمنع الحقوق الشرعية، ويحرم المحتاجين، ولا يحسن التصرف فيه كما هو مطلوب، بل قد يتعدى ذلك إلى إنفاقه في الملذات والمحرمات.
إن كان كذلك فهو نقمة، فشل صاحبها في الامتحان، وسيُسأل يوم القيامة: من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟
وفي قصة قارون عبرة، قال تعالى:
{ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ۖ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ ۖ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي ۚ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ۚ وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78) فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ۖ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ۚ وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ (81) }
أما إن كانت مصادر المال مباحة، ولم يتعدَّ صاحبه على حقوق الآخرين، وأدى ما عليه من مستحقات، وأنفق بالمعروف، وساعد ضعيفاً، وسد حاجة معوز، وكفل يتيماً، وزوّج عازباً، وشارك في المشاريع الخيرية، ولم يوجه ماله إلى المنكرات، فهنا يكون المال نعمة يبارك الله له فيها، ويُغبط عليها.
ثانياً: المصيبة.. جوهرة الابتلاء
نتعرض للمصائب، وقد كان أشد الناس بلاءً الأنبياء والأوصياء والأولياء. وتتعدد صور المصائب، ومن أصعبها فقد الأحبة، ويحس بحرارتها من عاناها.
ولضعفنا أمامها، وتدني ثقتنا بالله أحياناً، وعدم التسليم له، وثقافتنا الموروثة، وجهلنا بما دفع الله عنا من عظيم البلاء، نعتبرها غضباً منه تعالى، فنزداد جزعاً وهماً وغماً حتى نضعف أمامها وننهار.
ولو علمنا أنها جوهرة أُعطيناها بأمر الله تعالى، وأن طريقة تعاملنا معها هي الفيصل، لتغيرت نظرتنا إليها.
فإما أن نعتبرها فحمة نلقيها في نار الجزع فتحترق، فنخسرها ونأثم بتضييعها، ونسخط على ربنا.
وإما أن نصبر ونوقن أن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، فيوفينا الله أجر الصابرين كما وعد في سورة البقرة:
{ وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) }
إن أُصبت بعظيم، فتذكر أن هناك ما هو أعظم، وإن تكررت عليك المصائب، فغيرك أكثر ابتلاءً منك بمرات.
فالمال والمصيبة ميزانان؛ الرابح من عرف كيف يشكر عند العطاء، ويصبر عند البلاء.



