من العادات الاجتماعية الجميلة التي ارتبطت بذاكرة أهل القطيف قديمًا، ما كان يرافق رحلة الحج من مشاعر وأحداث ومظاهر اجتماعية جعلت من سفر الحاج وعودته مناسبة يعيشها المجتمع بأسره، لا الأسرة وحدها. ولم يكن الحج رحلة عادية كما هو الحال في زماننا، بل كان حدثًا استثنائيًا يختلط فيه الشوق بالخوف، والفرح بالدعاء، والرجاء بالانتظار.
في العقود الماضية، وقبل تطور وسائل النقل ووسائل الاتصال الحديثة، كانت رحلة الحج تمثل سفرًا طويلًا قد يمتد لأسابيع أو أشهر، يقطع خلالها الحاج مسافات شاسعة في ظروف ليست باليسيرة. ولهذا كانت لحظة الوداع تحمل في طياتها كثيرًا من المشاعر الإنسانية الصادقة، إذ لم يكن أحد يعلم على وجه اليقين متى يعود الحاج، ولا ما قد يعترضه من مشاق ومتاعب في طريقه.
وكان أهل الحي «الفريق» يتوافدون إلى منزل الحاج قبل موعد سفره بأيام لتهنئته بعزمه على أداء الفريضة، وطلب الدعاء منه عند بيت الله الحرام وعند مرقد النبي الأعظم صلى الله عليه وآله. وكان بعض الأقارب والجيران يودعونه عند نقطة الانطلاق في مشهد يملؤه الدعاء والرجاء بالعودة سالمًا غانمًا.
ولأن المجتمع القطيفي كان مجتمعًا متماسكًا بطبيعته، فقد كان سفر الحاج يعني مسؤولية جماعية تجاه أسرته؛ فالجيران والأقارب يتعاهدون أهل الحاج بالسؤال والرعاية وقضاء ما يحتاجونه خلال فترة غيابه، وكأن «الفريق» كله يتولى رعاية الأسرة حتى يعود ربها أو أحد أفرادها من الرحلة المباركة.
أما فترة الحج نفسها، فكانت أخبار الحجاج تصل على فترات متباعدة، وقد تمر أسابيع طويلة دون وصول خبر أو رسالة، مما يجعل الأهالي يعيشون حالة من الترقب والانتظار. وكان وصول رسالة من أحد الحجاج مناسبة تدخل السرور إلى القلوب، ويتناقل الناس أخبارها بين الأقارب والجيران.
وعندما تقترب أيام العودة تبدأ ملامح الفرح بالظهور في الأحياء والفرقان «الفرجان». أجل، فالجميع يترقب وصول الحجاج، والجميع يسأل عن موعد قدومهم، حتى إذا وصل الخبر بأن الحجاج اقتربوا من البلدة، تحولت الطرقات إلى مشاهد من البهجة والترقب.
وكان استقبال الحجاج من أجمل المشاهد الاجتماعية التي عرفتها القطيف؛ ففي كثير من القرى والبلدات يخرج الأقارب والجيران لاستقبال العائدين، وتعلو عبارات الترحيب والتهنئة بالحج المبرور والسعي المشكور. ولم يكن الاستقبال يقتصر على الأسرة فقط، بل يشارك فيه أبناء «الفريق» وأصدقاء الحاج ومعارفه، وكأن الجميع يحتفل بعودته.
وبعد وصول الحاج تبدأ مرحلة أخرى من مظاهر الفرح، حيث يتوافد المهنئون إلى منزله أيامًا متتالية للسلام عليه وتهنئته بسلامة الوصول وأداء المناسك. عندها تمتلئ المجالس بالزوار الذين يتشوقون لسماع أخبار الرحلة، ووصف المشاعر المقدسة، وأحوال الطريق، والمواقف التي عاشها الحجاج أثناء رحلتهم.
وارتبطت العودة من الحج بعادة تقديم الهدايا التذكارية البسيطة التي يجلبها الحجاج لأقاربهم وأصدقائهم، والتي كانت تحمل قيمة معنوية كبيرة مهما كانت متواضعة. فكثيرًا ما احتفظ الناس بتلك الهدايا سنوات طويلة لما تمثله من ذكرى مباركة مرتبطة بأطهر بقاع الأرض.
ولم يكن الحج في الذاكرة القطيفية مجرد عبادة فردية يؤديها الإنسان ثم يعود، بل كان مناسبة اجتماعية كبرى تتجلى فيها قيم المحبة والتكافل والتواصل بين الناس؛ فالحي بأكمله يودع الحاج، والحي بأكمله ينتظر أخباره، والحي بأكمله يفرح بعودته، في صورة تعكس عمق الروابط الإنسانية التي كانت تجمع أبناء المجتمع آنذاك.
ومع ما نشهده اليوم من تطور هائل في وسائل النقل والاتصال، فقد تغيرت كثير من تفاصيل تلك المشاهد، إلا أن جوهرها ما زال حاضرًا في نفوس الناس. فما زال الحج مناسبة يلتف حولها الأقارب والأصدقاء، وما زالت مشاعر الفرح بعودة الحجاج تسكن القلوب، وإن اختلفت الوسائل وتبدلت الأحوال.
إن استذكار تلك المشاهد ليس حنينًا إلى الماضي فحسب، بل استحضار لقيم اجتماعية جميلة جعلت من فرحة الفرد فرحة للجميع، ومن رحلة الحاج قصة يشارك في فصولها «الفريق» أو «الفريج» كله، وهو ما يضفي على ذاكرة القطيف عبقًا خاصًا لا يزال يفوح في وجدان أبناءها إلى اليوم.



