لقد لاحظت أن أول ما يقفز إلى أذهان الناس عند رحيل قامة كبيرة وعَلَم من الأعلام ممن صنعتهم السنين وصنعوا فيها أثرًا هو سؤال واحد..
ماذا سيحدث بعده؟
وهو سؤال مفهوم .. غير أن العمر علّمني أن هناك سؤالًا آخر أكثر إلحاحًا وأقرب إلينا مسافة..
ماذا سيحدث لنا نحن؟
فالأمة لم تبدأ بنا ولن تنتهي عندنا.
وقد مرّت عليها عصور كانت أثقل مما نتصور ثم واصلت سيرها.
أما نحن فقصتنا مختلفة.
نحن أصحاب الأعمار القصيرة.
وأصحاب الصفحات التي تُطوى فجأة ودون سابق إنذار.
وأصحاب الرحلات التي لا يعرف أحد أين تنتهي له بالضبط.
لهذا كلما رحل واحد من الكبار شعرت أن الحدث لا يوجّه إصبعه إلى المستقبل بقدر ما يوجّهه إلى صدورنا.
كأن الأيام تقول لكل واحد منا لقد رأيتَ كيف رحل غيرك…
فماذا أعددتَ ليوم رحيلك؟
ذلك هو السؤال الذي لا ينبغي للعمر أن ينقضي قبل أن يجيب عنه صاحبه وذلك هو الهم الذي يستحق أن يحمله الإنسان معه.
فليس أثقل على المرء من أن يلقى آخر الطريق وقد أمضى عمره يفتش في أحوال العالم كله ثم اكتشف متأخرًا أنه أهمل العالم الذي كان يسكن بين ضلوعه.
هناك رجال إذا رحلوا اكتشف الناس مقدار ما كانوا يسندون إليهم من طمأنينة دون أن يشعروا وإن شعر البعض بذلك.
وحين يرحل أحد هؤلاء العظام لا يشعر الإنسان بأن اسمًا غاب من سجل الحياة فقط وفقط وإنما يحسّ أن جزءًا من المشهد الذي اعتاد أن يراه ثابتًا قد تحرّك من مكانه.
وهذا ما يفسّر ذلك الشعور الغريب الذي يمرّ في النفوس كلما غاب واحد من كبار الحكماء والعلماء وأصحاب التجارب الممتدة.
شعور لا علاقة له بالعمر وحده ولا بالمكانة وحدها ولا بالأسماء وحدها.
إنه إحساس الإنسان عندما يرى شجرة معمّرة سقطت من طرف البستان.
فالأرض ما زالت أرضًا والبستان ما زال بستانًا والأشجار كثيرة غير أن الشجرة التي كانت تعرف الفصول كلها وتعرف اتجاه الرياح وتعرف مواسم الجدب ومواسم الخصب لا يمكن أن تُستبدل في يوم واحد.
في حياة الأمم يوجد فرق كبير بين العالم الذي يملك المعرفة والعالم الذي تحوّلت المعرفة عنده إلى تجربة طويلة فالمعارف يمكن أن تُكتسب أما البصيرة التي صنعتها عقود من التأمل والاحتكاك ومراقبة التحولات فهي أمر آخر.
ولهذا فإن المجتمعات لا تخشى قلة المعلومات بقدر ما تخشى نقص الحكماء والعلماء الحق.
المعلومات تملأ المكتبات والحكمة تسكن البشر.
وقد يستطيع شاب أن يحفظ آلاف الصفحات وأن يتقن عشرات العلوم وأن يبهر السامعين بقدرته على الاستحضار لكن سنوات طويلة من النظر في أحوال الناس لا تُحفظ في كتاب.
تلك تسكن في طريقة التفكير وفي التوازن وفي القدرة على رؤية ما وراء اللحظة العابرة.
ولهذا كانت المجتمعات عبر التاريخ تبحث دائمًا عن أصحاب الرؤية الواسعة والأثر.
فالناس عند المنعطفات الكبرى لا يفتشون عن الأكثر كلامًا فهم يفتشون عمّن يرى أبعد.
ولعل أكثر ما يبعث القلق في النفوس عند رحيل الكبار أن العالم المعاصر تغيّر بسرعة مذهلة.
الأشياء التي كانت تحتاج أعوامًا لتتبدل أصبحت تتبدل في أشهر.
والأفكار التي كانت تسافر ببطء أصبحت تعبر القارات في دقائق.
والأجيال الجديدة تنمو في بيئة تختلف تمامًا عن البيئة التي عرفتها الأجيال السابقة.
وهنا تزداد قيمة أصحاب التجارب الطويلة.
لأنهم لا ينظرون إلى الأحداث منفصلة عن سياقها.
يعرفون أن الحماس وحده لا يكفي.
وأن ردود الأفعال السريعة كثيرًا ما تقود إلى أخطاء سريعة.
وأن الإنسان إذا أسرع في الحكم على كل شيء فقد القدرة على فهم أي شيء.
ومن الطريف أن كثيرًا من الناس يظنون أن وظيفة الحكماء والعلماء تقديم الأجوبة.
والحقيقة أن أعظم ما يقدّمونه أحيانًا هو تهذيب الأسئلة.
فالأسئلة الصحيحة تقود إلى طرق صحيحة
أما السؤال الخاطئ فقد يأخذ صاحبه إلى نهاية خاطئة مهما كانت نواياه حسنة.
وحين ترحل القامات الكبيرة يبدأ امتحان آخر.
ليس امتحان الذين رحلوا.
وإنما امتحان الذين بقوا.
هل كانت تلك الأسماء مجرد أفراد استثنائيين؟
أم كانت مدارس أنجبت رجالًا؟
هل تركت وراءها أثرًا يمتد؟
أم تركت فراغًا ينتظر من يملؤه؟
فهنا يظهر الفرق بين الشجرة التي أعطت ظلًا فقط والشجرة التي أعطت بذورًا وثمارًا أيضًا.
الأولى يرحل أثرها برحيلها والثانية تبقى تمشي في الأرض بأشكال متعددة.
ولهذا فإن مستقبل الأمم لا يتوقف عند فقدان الكبار مهما كانت مكانتهم وعظيم أثرهم.
المستقبل يتوقف على قدرتها في صناعة الكبار الجدد وعلى قدرتها في نقل الخبرة قبل أن تتحول إلى ذكرى وعلى قدرتها في تحويل الإعجاب بالأسماء إلى اقتداء بالقيم التي صنعت تلك الأسماء.
وربما لهذا كلما غاب واحد من كبار الرجال عاد إلى ذهني معنى مختلف تمامًا.
فليس أكثر ما يشغلني ما سيجري للأمة فالأمة عبرت من قبل أودية أشد وعورة ومرّت عليها أيام حسبها أهلها آخر المطاف ثم انكشف الغبار ومضت.
أما الإنسان فله شأن آخر.
له أجل يقترب في كل يوم وإن ظنّه بعيدًا.
وله صحيفة لا تتوقف عن الامتلاء.
وله خاتمة قد تكون أقرب إليه من الغد نفسه.
ومن هنا يبدأ الهم الحقيقي.
أن يحرس المرء قلبه أكثر مما يحرس توقعاته.
وأن يفتش عن موضعه من الاستقامة قبل أن يفتش عن مصائر العالم.
وأن يسأل نفسه كل صباح..
ماذا لو كانت هذه الصفحة آخر ما يُكتب لي؟
فكثير من الناس ينشغلون بحساب أعمار الأمم ويغفلون عن حساب أعمارهم ويتتبعون منعطفات التاريخ بينما المنعطف الأخطر يكمن في الطريق الذي يسيرون عليه هم.
وحين يبلغ الإنسان هذا المعنى تتبدل نظرته إلى الأشياء فيحزن على رحيل الكبار وفاء لهم ويترحم عليهم عرفانًا بفضلهم.
ثم يعود إلى نفسه.
فهي القضية التي لن يحملها عنه أحد.
وهي الرحلة التي لن يقطعها عنه أحد.
وهي العاقبة التي تستحق أن يُسهر الفكر لأجلها طويلًا.
فأثقل ما يورثه الحكماء والعلماء الحق للناس ليس القلق على الغد.
وإنما اليقظة من الغفلة.
وهذا ميراث لا يشيخ مهما تعاقبت الأجيال.
وعند هذه النقطة يتغير المشهد كله.
فبدل أن أقف طويلًا أمام الفراغ الذي تركه الراحلون أقف أمام الفراغ الذي قد أتركه أنا.
وبدل أن أرهق نفسي بسؤال.. من سيحمل الأمر بعدهم؟
أجدني مشغولًا بسؤال أشد قربًا ومعنى..
بأي وجه وعمل سأقف عندما ينتهي دوري؟
فالناس كثيرًا ما ينظرون إلى المقابر على أنها نهاية الحكايات وأحسب أنها بداية الأسئلة الكبرى.
هناك تسقط الألقاب وتغيب الشهرة وتنطفئ المقارنات ولا يبقى للإنسان إلا ما صنعه من نفسه.
لهذا لا أخشى على الطريق من فقد عابريه الكبار كما أخشى على نفسي من أن أعبره غافلًا.
ولا يشغلني طول ما بقي من الزمن بقدر ما يشغلني شكل الخطوة التي أخطوها الآن.
فإن كان رحيل الحكماء والعلماء يورث شيئًا نفيسًا ويترك في حياة الناس فراغًا لا يُملأ سريعًا ويُحدِث ثُلمة في الدين والمعرفة والوعي فليس الحزن عليهم وحده وإنما تلك الرجفة الخفية التي توقظ الإنسان من انشغاله بالبعيد وتعيده إلى السؤال الذي لا مهرب منه..
إذا كان هؤلاء قد أكملوا رحلتهم…
فكيف أريد أنا أن أكمل أنا رحلتي؟
هذه هي الفكرة التي تبقى.
وكل ما عداها تفاصيل.



