كنت أفكر في أمر رحيل بسمة الصامت, والتي كانت لا تشتكي بلسانها ولا تدعي يصوتها, حيث كانت حياتها تسبيحة صامتة ورحيلها دعاء حزين موجع بلا صوت. عجبا كيف يمكن لرحيل صامت كهذا! ليمنع الحياة عن بسمة حين رحلت بصمت, لم يكن الوجع في غيابها فحسب, بل يكمن في ذلك الفراغ الموحش الذي تركته وراءها, وابتسامتها التي تترجم مشاعرها الناطقة, والتي نطقت عنها جدران غرفتها وعبائتها المعلقة التي كانت ترتديها دائما, لحضور المجالس الحسينية بصحبة والدتها المكلومة نجاح! والشاهد على طيفها الغائب والحاضر, حقيبتها التي بين حين وحين تجهزها لزيارة الأئمة الأطهار بصحبة خالتها وإبنة خالتها سكينة.
صدقا كنت أفكر حائرة, كيف لي أن أعزي عائلتها بالأخص والدتها وأخواتها وخالاتها وعماتها! كانت تلك اللحظة صعبة حيث تجمدت واختنقت كلمات المواساة لدي, مدركة إن تلك القلوب قد أكتوت بحرقة فراقها دون إنذار أو وداع وبلا صوت و بدون تصديق غيابها السريع! ياإلهي وأنا أعانق والدتها يوم أمس, كم تمنيت أن أواسيها بكلمة عزاء تسمعها مني ولكن! لا عزاء موجع يعادل صمت الأم أيضا! والأصعب من ذلك, كم أوجعني سكونها وهي تنتحب رحيل كريمتها بسمة والذي لا يشبه أي بكاء! ولعلني أعده أقسى أنواع الحزن والأسى! نعم ذلك الحزن الذي يجعلها أن تتذكر الأماكن التي جمعتها مع الراحلة, والتي تلاشت أمام ناظريها في لحظة, دون أن تمنحها فرصة لوداعها, حيث أبت واختارت أن ترحل بصمت, هكذا قدرها المحتوم أن تعيش بصمت وترحل بصمت آخر. حيث لم نسمع صوتها يوما, لكننا جميعا نسمع صدى غيابها المفاجئ يملأ الجميع ضجيجا. وسيقى صوتها الصامت يتردد في أرجاء الروح، لندرك بأن أصدق المشاعر هي تلك التي لا تحتاج إلى حروفٍ ناطقة.
لم يكن الكلام يوماً لازما للوجود. ولا المشاعر تحتاج إلى حروف تنطق, حيث كانت بسمة تعيش حياتها من خلال نبض قلبها, وتتأمل تفاصيل الدنيا بصمتها و بعين الرضا والإيمان. والمفارقة العجيبة, حين خطفها الموت فجأة لم تغيب بصمتها المعروف فحسب, بل حملت معها سكوناً وهدوئا ليضفي على روحها الطمأنينةً. تاركة خلفها أثرا جميلا وبصمة عميقة, حيث روحها لن تغيب عن الذاكرة. وأمام هذا الرحيل الصامت تعجز كلماتي عن وصف وتجسيد حرارة ومرارة فقدها, ولكن تأبى كلماتي القلبية الصادقة , إلا أن يكون الصوت الوحيد لسكب أحاسيسي ومشاعري ومواساتي القلبية لجميع عائلة الزاير الكريمة.
وأخيرا,نامي بهدوء وسلام يا طاهرة, وعند ربك تنطق كل الجوارح, فلا تقلقي يابسمة سيبقي صوتك الصامت يتردد صداه في أرجاء أرواح أحبائك, والله يتقبل صبرك صراخا ودموع عينيك كلاما, لك الرحمة والمغفرة ويجعل الله جنتك التي تنتظرك حديثك الأبدي.ِ والفاتحة على روحك الزكية.



