ليس كل من يجلس أمامك يسمعك فعلاً !! بعضهم ينتظر فقط لحظة صمتك، ليُخرج الرد الذي جهّزه مسبقاً، وكأن الحوار مجرد محطة قصيرة لعبور رأيه هو، لا لفهم رأيك أنت ، تراه يهز رأسه، وينظر إليك، لكنه في داخله لم يمنح كلماتك المساحة الكافية لتصل إليه ، وهناك نوع آخر من الناس أهدأ، وأعمق، وأكثر حضوراً ، أشخاص يصغون لا ليجيبوا، بل يستفهموا ليفهموا ، يمنحونك انتباههم الكامل، ويتأملون الفكرة قبل الحكم عليها، ويحللون الكلام بهدوء، لذلك تأتي ردودهم مختلفة، ناضجة، وتحمل فهماً أوسع مما توقعته ، وهذا ما يسمى “الإنصات” ! فالإنصات ليس مجرد سماع الكلمات، بل حضور القلب والعقل مع المتحدث، والانتباه للمشاعر والمعاني والتفاصيل التي قد لا تُقال مباشرة ، ولهذا كان الإنصات قيمة إنسانية عظيمة، لأنه يختصر كثيراً من سوء الفهم والخلافات والاندفاع.
⁃ ماذا قال الله تعالى .
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى الراقي حين قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ سورة الأعراف 204
فالله سبحانه لم يقل فقط “اسمعوا”، بل قال: “فاستمعوا له وأنصتوا” الإنصات هنا مرحلة أعمق من مجرد السماع ، مرحلة حضور وتأمل وتدبر ، في الآية أن نتيجة الإنصات كانت “لعلكم تُرحمون” ، الرحمة لا تأتي فقط من الكلام الجميل، بل من حسن الإصغاء أيضاً ، فالإنسان حين ينصت بصدق، فرصته للفهم أكثر، ويتعاطف أكثر، ويصبح أقل قسوةً وأقل تسرعاً في الحكم على الآخرين.
⁃ إنصات مهم .
والإنصات لا يقتصر على الحوارات الفكرية أو المجالس الهادئة فقط، بل هناك مواقف في الحياة لا تحتمل التشتت أو اللامبالاة ، فحين لا تركز جيداً مع من يتحدث إليك، قد يفوتك أمر مهم، أو معلومة دقيقة، وقد تبني قرارك على فهم ناقص أو خاطئ ، فموظف حجوزات الطيران أو الفنادق مثلاً، لا يملك رفاهية الشرود أو أن تقول ، “فهمت ، وكأنه قال كذا” ، لأن خطأ بسيطاً في تاريخ، أو اسم، أو وقت، قد يسبب خسائر ومشكلات كبيرة أقلها القلق ، وكذلك في العقود والمناقصات والاجتماعات المهنية، قد يؤدي ضعف الإنصات إلى قرارات غير دقيقة، أو سوء تقدير، أو أخطاء يصعب تداركها لاحقاً ، فهناك أماكن لا يكفي فيها أن “نگلگل روسنا ونسمع”، بل يجب أن نفهم بدقة ووعي كامل.
⁃ وبراً بوالديه .
والأمر أعمق وأجمل حين يتعلق بالعلاقات الإنسانية ، فالإنصات للأب والأم ليس مجرد أدب، وسنع ! بل نوع من الرحمة و الوفاء والاحترام والتقدير ، وكذلك مع الإخوة والأخوات، والأعمام والخالات، وكبار السن، والمعلم، والمربي، وكل من كان له فضل علينا ، فهؤلاء لا يحتاجون منا فقط كلمات جميلة، بل يحتاجون أن يشعروا أننا حاضرون معهم بقلوبنا وعقولنا، وأن حديثهم له قيمة ومكانة لدينا ، وأكاد أجزم ( أن كثيراً ) من القطيعة و الجفاء الذي يحدث بين الناس اليوم سببه ليس قلة المحبة، بل قلة الإنصات ( فهمت كذا ) .
⁃ تغافل .
كثير من الأحاديث والمواقف اليومية، يمنحك الإنصات فرصة مهمة جداً ، أن تقرر ، هل هذا الحوار يستحق الاستمرار والرد؟ أم أن الصمت والابتسامة أكثر حكمة؟ فليس كل نقاش يستحق أن يتحول إلى جدال، وليس كل رأي يحتاج معركة لإثبات خطئه أو صحته ، أحياناً، حين تنصت جيداً، تكتشف أن الطرف الآخر لا يبحث عن فهم، بل عن انتصار، وهنا يصبح الصمت نوعاً من النضج، لا ضعفاً ، الإنسان الحكيم لا يقيس قوته بكثرة ( المعاياة ) الردود، بل بقدرته على اختيار الوقت والكلمة المناسبة، ومعرفة متى يتكلم ، ومتى ينسحب بهدوء دون أن يخسر نفسه ، ولهذا نجد أن كثيراً من المشكلات لا تبدأ من اختلاف الآراء، بل من غياب الإنصات ، كل شخص يريد أن يتكلم، لكن القليل فقط يريد أن يفهم!.
⁃ فن الإنصات .
المنصت الحقيقي لا يبحث عن فرصة للرد، بل يبحث عن المعنى ! وحين يفهم، يصبح كلامه أكثر هدوءً ، وأقرب للحكمة، وأبعد عن الاندفاع ، وفي حياتنا اليومية، يبقى الأشخاص الذين ينصتون لنا بصدق من أجمل الناس أثراً في الذاكرة، لأنهم يمنحوننا شعوراً نادراً ، شعور أن أحداً فهمنا قبل أن يحاكمنا، واحتوانا قبل أن يقاطعنا ، مثل هؤلاء يستحقون الإمتنان ، وفي زمن التكنلوجيا و السرعة والأجهزة الإلكترونية وجعجعة منصات التواصل الإجتماعي ، والضجيج ، وكثرة الكلام ، أصبح الإنصات قيمة و فناً نادراً، وأصبحت الرحمة أحياناً تبدأ من لحظة صمت ، نستمع فيها بقلوبنا قبل آذاننا.



