12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

الإنصات بابًا للرحمة

ليس كل من يجلس أمامك يسمعك فعلاً !! بعضهم ينتظر فقط لحظة صمتك، ليُخرج الرد الذي جهّزه مسبقاً، وكأن الحوار مجرد محطة قصيرة لعبور رأيه هو، لا لفهم رأيك أنت ، تراه يهز رأسه، وينظر إليك، لكنه في داخله لم يمنح كلماتك المساحة الكافية لتصل إليه ، وهناك نوع آخر من الناس أهدأ، وأعمق، وأكثر حضوراً ، أشخاص يصغون لا ليجيبوا، بل يستفهموا ليفهموا ، يمنحونك انتباههم الكامل، ويتأملون الفكرة قبل الحكم عليها، ويحللون الكلام بهدوء، لذلك تأتي ردودهم مختلفة، ناضجة، وتحمل فهماً أوسع مما توقعته ، وهذا ما يسمى “الإنصات” ! فالإنصات ليس مجرد سماع الكلمات، بل حضور القلب والعقل مع المتحدث، والانتباه للمشاعر والمعاني والتفاصيل التي قد لا تُقال مباشرة ، ولهذا كان الإنصات قيمة إنسانية عظيمة، لأنه يختصر كثيراً من سوء الفهم والخلافات والاندفاع.

   ⁃    ماذا قال الله تعالى .
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى الراقي حين قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ سورة الأعراف 204

فالله سبحانه لم يقل فقط “اسمعوا”، بل قال: “فاستمعوا له وأنصتوا” الإنصات هنا مرحلة أعمق من مجرد السماع ، مرحلة حضور وتأمل وتدبر ،  في الآية أن نتيجة الإنصات كانت “لعلكم تُرحمون” ، الرحمة لا تأتي فقط من الكلام الجميل، بل من حسن الإصغاء أيضاً ، فالإنسان حين ينصت بصدق، فرصته للفهم أكثر، ويتعاطف أكثر، ويصبح أقل قسوةً وأقل تسرعاً في الحكم على الآخرين.

   ⁃    إنصات مهم .
والإنصات لا يقتصر على الحوارات الفكرية أو المجالس الهادئة فقط، بل هناك مواقف في الحياة لا تحتمل التشتت أو اللامبالاة ، فحين لا تركز جيداً مع من يتحدث إليك، قد يفوتك أمر مهم، أو معلومة دقيقة، وقد تبني قرارك على فهم ناقص أو خاطئ ، فموظف حجوزات الطيران أو الفنادق مثلاً، لا يملك رفاهية الشرود أو أن تقول ، “فهمت ، وكأنه قال كذا” ، لأن خطأ بسيطاً في تاريخ، أو اسم، أو وقت، قد يسبب خسائر ومشكلات كبيرة أقلها القلق ، وكذلك في العقود والمناقصات والاجتماعات المهنية، قد يؤدي ضعف الإنصات إلى قرارات غير دقيقة، أو سوء تقدير، أو أخطاء يصعب تداركها لاحقاً ، فهناك أماكن لا يكفي فيها أن “نگلگل روسنا ونسمع”، بل يجب أن نفهم بدقة ووعي كامل.

   ⁃    وبراً بوالديه .
والأمر أعمق وأجمل حين يتعلق بالعلاقات الإنسانية ، فالإنصات للأب والأم ليس مجرد أدب، وسنع ! بل نوع من الرحمة و الوفاء والاحترام والتقدير ، وكذلك مع الإخوة والأخوات، والأعمام والخالات، وكبار السن، والمعلم، والمربي، وكل من كان له فضل علينا ، فهؤلاء لا يحتاجون منا فقط كلمات جميلة، بل يحتاجون أن يشعروا أننا حاضرون معهم بقلوبنا وعقولنا، وأن حديثهم له قيمة ومكانة لدينا ، وأكاد أجزم ( أن كثيراً ) من القطيعة و الجفاء الذي يحدث بين الناس اليوم سببه ليس قلة المحبة، بل قلة الإنصات ( فهمت كذا )  .

   ⁃    تغافل .
كثير من الأحاديث والمواقف اليومية، يمنحك الإنصات فرصة مهمة جداً ، أن تقرر ، هل هذا الحوار يستحق الاستمرار والرد؟ أم أن الصمت والابتسامة أكثر حكمة؟ فليس كل نقاش يستحق أن يتحول إلى جدال، وليس كل رأي يحتاج معركة لإثبات خطئه أو صحته ، أحياناً، حين تنصت جيداً، تكتشف أن الطرف الآخر لا يبحث عن فهم، بل عن انتصار، وهنا يصبح الصمت نوعاً من النضج، لا ضعفاً ، الإنسان الحكيم لا يقيس قوته بكثرة ( المعاياة ) الردود، بل بقدرته على اختيار الوقت والكلمة المناسبة، ومعرفة متى يتكلم ، ومتى ينسحب بهدوء دون أن يخسر نفسه ، ولهذا نجد أن كثيراً من المشكلات لا تبدأ من اختلاف الآراء، بل من غياب الإنصات ، كل شخص يريد أن يتكلم، لكن القليل فقط يريد أن يفهم!.

   ⁃    فن الإنصات .
المنصت الحقيقي لا يبحث عن فرصة للرد، بل يبحث عن المعنى ! وحين يفهم، يصبح كلامه أكثر هدوءً ، وأقرب للحكمة، وأبعد عن الاندفاع ، وفي حياتنا اليومية، يبقى الأشخاص الذين ينصتون لنا بصدق من أجمل الناس أثراً في الذاكرة، لأنهم يمنحوننا شعوراً نادراً ، شعور أن أحداً فهمنا قبل أن يحاكمنا، واحتوانا قبل أن يقاطعنا ، مثل هؤلاء يستحقون الإمتنان ، وفي زمن التكنلوجيا و السرعة والأجهزة الإلكترونية وجعجعة منصات التواصل الإجتماعي ، والضجيج ، وكثرة الكلام ، أصبح الإنصات قيمة و فناً نادراً، وأصبحت الرحمة أحياناً تبدأ من لحظة صمت ، نستمع فيها بقلوبنا قبل آذاننا.


error: المحتوي محمي