06 , مايو 2026

القطيف اليوم

«أكشن مع وليد» وأخواته.. كيف يُسقِط الإعلام المدربين؟!

استحوذ صندوق الاستثمارات العامة على الهلال والنصر والاتحاد والأهلي، فيما انتقلت أندية أخرى إلى شركات كبرى كأرامكو ونيوم، لتبدأ مرحلة غير مسبوقة في تاريخ الرياضة السعودية؛ مرحلة ضُخَّت فيها المليارات، واستُقدمت فيها الأسماء العالمية، وتحولت الأندية من كيانات محلية محدودة التأثير إلى مشاريع تحمل طموح دولة كاملة. وبالفعل، انعكس ذلك على النتائج؛ فالهلال قدّم حضورًا عالميًا لافتًا في كأس العالم للأندية، والأهلي اعتلى المنصة الآسيوية، والاتحاد فرض هيمنته محليًا في العام الفائت مقاسمةً مع الهلال، فيما يواصل النصر مطاردته لبطولة الدوري هذا العام، ثم ماذا؟!

ثم إنَّ الاستقرار الفني والإداري ليس ترفًا في كرة القدم، بل هو أحد أهم أسباب التفوق والاستمرار فيه. فالمشاريع الرياضية الكبرى لا تُبنى على ردات الفعل، وإنما على الصبر ومنح الأجهزة الفنية الوقت الكافي للعمل والتطور. غير أن الإعلام الرياضي لدينا ــ في كثير من الأحيان ــ لم يكن بمستوى هذه الطفرة الرياضية الهائلة. ولأكن صريحًا معك سيدي القارئ، فإن بعض البرامج الرياضية، وفي مقدمتها “أكشن مع وليد”، أسهمت بصورة مباشرة أو غير مباشرة في خلق بيئة متوترة حول المدربين، عبر المبالغة في تضخيم الأخطاء، والتعامل مع أي تعثر بوصفه انهيارًا كاملًا للمشروع الفني. والمفارقة أن هذا يحدث حتى في ظل نتائج جيدة ومستويات مستقرة، مع أن انخفاض الأداء في بعض المباريات أمر طبيعي تفرضه ظروف معروفة؛ كالإصابات، والإيقافات، والإجهاد، وتذبذب الجاهزية البدنية خلال الموسم الطويل. ويكفي أن نتأمل ما حدث مع الاتحاد حين استغنى عن نونو سانتو ثم لوران بلان رغم تحقيق البطولات، وما حدث مع الهلال حين فرّط في خيسوس، قبل أن ينتقل إلى النصر ويواصل تصدره للدوري. هنا يبرز سؤال مهم: هل أصبحت إدارات الأندية تُدير قراراتها الفنية وفق قناعاتها الحقيقية، أم تحت ضغط الضجيج الإعلامي وردات فعل الجماهير؟ في تقديري أن هذه واحدة من أكبر مشكلات الرياضة السعودية؛ لأن الأندية التي تُغيّر مدربيها تحت ضغط اللحظة تقتل الاستقرار الذي تصنع به الفرق الكبرى أمجادها.

في مجلسنا الرياضي العامر، تقدّم اللاعب الدولي السابق عثمان مرزوق نحو شاشة التلفاز ليستمتع بمشاهدة مباراة للاتحاد. وما إن أطلق الحكم صافرة البداية، حتى سدد لاعب الاتحاد كرة مبكرة نحو المرمى، فقال المشجع الاتحادي المعروف المرحوم علي القرعان ساخطًا: «ما عندنا وسط!». فما كان من الوالد إلا أن عاجله بقوله: «مو بس ما عندنا وسط… ما عندنا فريق ولا مدرب!». استدار عثمان متعجبًا وقال مبتسمًا: «يا جماعة الخير، المباراة توّها بادية… اصبروا شوي». فجاءه الرد الحاسم من أبي عبد الله القرعان: «تفكر نفسك لعبت في المنتخب والاتحاد تفهم كورة أكثر منا؟!»، فيما قال الوالد: «أصلًا عثمان مو اتحادي!». وعلى طرافة هذه القصة، إلا أنها تكشف جانبًا مهمًا من المزاج الرياضي الذي تشكّل عبر سنوات طويلة من الخطاب الإعلامي المتوتر؛ خطاب لا يتعامل مع التعثر بوصفه جزءًا طبيعيًا من كرة القدم، بل بوصفه كارثة تستوجب التشكيك الفوري بالمدرب والإدارة واللاعبين. ومع تراكم هذا الخطاب، أصبحت الجماهير ترى أي فقدان للنقاط سببًا كافيًا للمطالبة بالإقالات وتغيير الأجهزة الفنية، حتى غدا الاستقرار الفني ــ وهو أساس النجاح في كرة القدم الحديثة ــ أول ضحايا الضجيج الإعلامي. وإذا أردنا بالفعل التقدم بأنديتنا الرياضية، فعلينا أن نخلق إعلامًا رياضيًا متقدمًا يوازي مستوى الدعم الذي تحظى به الأندية، إعلامًا يرتقي بالشارع الرياضي ويزيد الاستقرار داخل أروقة الأندية.


error: المحتوي محمي