01 , مايو 2026

القطيف اليوم

طرطميس

أخطر ما في الجهل ليس وجوده، بل قدرته على التصدّر.

في كل مجتمعٍ تظهر نماذج تتصدّر المشهد وتكثر من الحديث، لكنها لا تملك من الوعي ما يكفي لإدارة الفكرة أو توجيه النقاش. هؤلاء يُوصَفون في اللسان الدارج بـ“طرطميس”؛ أي من يخلط القول، ويُكثر الكلام دون وضوحٍ أو ترتيب، وقد يبلغ به الحال أن لا يميّز بين المهم والهامشي، فيلتبس عليه الأمر، ويُقال فيه: ( طرطميس ما يعرف الجمعة من الخميس.)

هذه الظاهرة ليست مجرد ملاحظة عابرة، بل تمتد آثارها إلى بنية المجتمع. فحين يتصدّر غير المؤهّل، يضطرب ميزان الثقة، ويختلط الرأي بالمعلومة، ويغدو الضجيج بديلًا عن الفهم. ومع تكرار هذا النمط، تتراجع معايير التقييم، ويُمنح الحضور لمن يُجيد الظهور لا لمن يمتلك المعرفة؛ فتبهت القيم والمفاهيم، وتفقد الكلمة معناها وأثرها.

ويظهر ذلك جليًا في بعض النقاشات العامة، حيث يُطرح الرأي بثقة عالية رغم افتقاره لأبسط المعطيات.

وتتعدّد الأسباب التي تدفع الطرطميس إلى الواجهة؛ من أبرزها جرأة غير منضبطة تدفع صاحبها للخوض في كل شأن، وغياب التخصص أو تجاهله مع رغبةٍ في التأثير، إلى جانب بيئاتٍ تُكافئ الصوت العالي أكثر من جودة الطرح، ونقصٍ في ثقافة التحقق لدى المتلقّي، ما يسمح بمرور الكلام دون تمحيص.

غير أن التعامل مع هذه الفئة لا يكون بالصدام الدائم ولا بالتسليم الكامل، بل بمنهجٍ متوازن. فالأصل أن يُقابل الكلام بالتحقق لا بالانبهار، وأن يُعاد توجيه النقاش بلطفٍ إلى مساره الصحيح، مع طلب الدليل والتوضيح دون تجريح. كما أن وضع حدودٍ للحوار ضرورة، حتى لا تُستنزف الجهود في جدالاتٍ عقيمة، بالتوازي مع دعم الأصوات الواعية والمتخصصة ومنحها المساحة التي تستحق.

وعلى المستوى الفردي، تبقى المراجعة الصادقة للنفس أساسًا لكل من يرغب في التصدّر. فالسؤال الأهم ليس: هل أستطيع أن أتحدث؟ بل: هل أملك ما يستحق أن يُقال؟ وهل أضيف قيمة أم أزيد الضجيج؟ فالتصدّر مسؤولية قبل أن يكون مكانة، والكلمة أمانة قبل أن تكون فرصة.

أما المجتمع الواعي، فلا يترك الساحة للفوضى المعرفية، بل يعمل على ترسيخ ثقافة التخصص واحترام أهله، وتنمية مهارات التفكير النقدي، وربط المصداقية بالدليل لا بالانتشار، وتقديم النماذج الجادّة بوصفها مرجعًا يُحتذى.

المشكلة ليست في قلة المعرفة… بل في الجرأة على الحديث دونها.

إن وجود الطرطميس أمرٌ لا يكاد يخلو منه مجتمع، لكن الخطر الحقيقي يكمن في منحهم صدارة المشهد دون تمحيص؛ حينها يتحول الخلط إلى رأي، والضجيج إلى معرفة. أما حين يعلو صوت الوعي، فلا يلبث أن ينكشف كل كلامٍ بلا أساس.

فليست كل صدارةٍ دليلَ قيمة، ولا كل صمتٍ نقصًا… إنما الميزان في وضوح الفكرة، وصدق المعرفة، وحسن الأثر.


error: المحتوي محمي