12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

مدح زائف… سخرية مقنّعة (٢)

ورد عن أمير المؤمنين (ع): «مادِحك بما ليس فيك مُستهزِئ بك» (غرر الحكم، ج ١، ص ٤٤٢).

ما هو الدور الإيجابي أو السلبي لمنهجية الثناء والمدح على مستوى العلاقات الاجتماعية؟

بالتأكيد أن المدح والثناء له مسار إيجابي في بث روح الأمل والتشجيع بين أفراد المجتمع، ويطرح مبدأ الثقة بالقدرات والمهارات وطريق تنميتها وتوظيفها على أرض الواقع، وهذا ما يُعدّ وسيلة لبناء وتعزيز القيم الأخلاقية والتربوية، ويُنمي الفضائل في النفوس لتكون طريقة عملية في التعامل بين أفراد المجتمع وتصرفاتهم. ولكن هذا المدح قد يسير في الاتجاه السلبي، ويعمل على إضعاف الوعي والتصورات الذاتية أو إطار شخصية الآخرين؛ ولذا تظهر خطورة المدح الزائف عندما ينتشر ويتعامل به الكثير من الناس، حيث إنه لا يستند إلى واقع حقيقي واستحقاق يمكن البناء عليه في خطوات لاحقة. فالثناء السرابيّ يقوم على التملّق والتلوّن الاجتماعي والمصالح الضيّقة والأساليب الانتهازية، مما يحوّله إلى آفة أخلاقية تنهش في جسد المجتمع وتقطّع أوصاله بعد أن يفقد أفراده مصداقيتهم دون أن يشعر الواحد منهم بحجم الكارثة.

المدح الزائف لا يقف عند حدود الكلمات الباهتة ذات صبغة المجاملات المقيتة، بل يتعدّاها — كما بيّنا — ليشكّل ثقافة ومنهجية مجتمعية تلقي بظلالها السيئة على البنية القيمية المجتمعية. فإن المرض الأخلاقي (النفاق) تنبت جذوره في النفس البشرية عندما يعتاد على حالة الانفصام بين الكلمات والواقع الذي لا يمتّ لها بصلة، كما أن صوت الصراحة والمواجهة بالحقيقة يبحّ وتختفي مفاعيله بعد أن يختار البعض أسلوب التلوّن وبيع الكلمات الزائفة طلبًا لرضا الآخرين أو بحثًا عن مصلحة في زوايا معينة يتطلّع للوصول إليها بانتهازية مقيتة. والأدهى أن يُعرِض أفراد المجتمع عن سلوك النقد الإيجابي البنّاء ويطلب راحة نفسه ولو كانت على حساب تعمية الآخر عن أخطائه وأوجه تقصيره. ومع تكرار هذا النمط يفقد الناس قدرتهم على التمييز بين الصدق والزيف، وتختلط الموازين والتقييمات وتصبح الحقيقة بعيدة المنال؛ إذ تتوزّع وتتباین المكانات الاجتماعية على غير أسس عملية، بل يتم وفق أهوائيات ومزاجيات، فيُرفع من لا يستحق ويُهمّش من هو أهل للجدارة والكفاءة. ففي بيئة يسودها الثناء الزائف تتحوّل العلاقات الاجتماعية إلى شبكات من المجاملات المفرغة من المعنى، إذ يُقاس النجاح بكمية الإطراء لا بحقيقة الإنجاز، وهذا ما يفرض واقعًا جماعيًا موهومًا مبتنيًا على كمية الثناء الزائف.

من أساسيات بناء المجتمع المتقدّم والمتطوّر ممارسة النقد البنّاء وتوجيه النصيحة ومناقشة الأفكار والخطوات وفق أسس عقلائية وروح مجتمعية يسودها الاحترام واستماع الآخر. ومع غيابه تتفشّى الأخطاء دون وجود ملاحظ أو رقيب يوجّه ويعالج، ويُغلق باب الإصلاح بعد انسداد أفق النقد الصريح والتواري خلف بضع كلمات للمجاملة والاستهلاك الذي لا طائلة منه، حيث يخشى الجميع من أن يُتّهم بالجفاء أو قلة الذوق إن قال الحقيقة، وحينئذ يتحوّل المجتمع إلى بيئة طاردة للكلمة الصادقة وحاضنة للمدح الزائف.


error: المحتوي محمي