هي ليست ملاحظة عابرة، بل مشهد يتكرر كل يوم ، رجل كبير تجاوز السبعين من عمره ، يجلس منذ الصباح، أمامه بضع ربطات من البقل، أو صندوق خضار، أو سلة فواكه ، أو كومة جح ، تمرّ به الساعات، ويبيع بعدة ريالات ، وقد ينتهي يومه بمبلغ بسيط لا يكاد يُذكر ، نعم مبلغ زهيد !
هنا يبدأ السؤال في داخلي :
هل هذا رضا؟
أم قناعة؟
أم أنه استسلام لواقع لا يملك تغييره؟
حين نحاول أن نفهم، ونقترب منه ، نكتشف أن الصورة أعمق مما تبدو ، هذا الرجل ليس قليل الحيلة، ولا ضعيف الذكاء كما قد يظن البعض ، بل على العكس، هو يعرف السوق، ويحسبها بدقته وطريقته الخاصة يدرك أن الربح بسيط، لكنه مستمر ، وأن القليل اليوم، خير من لا شيء ،
هي معادلة مختلفة ، ليست قائمة على الطموح الكبير، بل على الاستمرار ، ليست مبنية على التوسع، بل على التعفف ، وقد يكون في داخله شيء من الرضا، وشيء من القبول، وشيء من التعب ( الشگى) أيضاً ، لكنه في النهاية اختار أن يكون واقفاً، لا منتظراً ، عاملاً بكرامة لا متسولاً ، أو منتظر صدقة .
⁃ مراعاة .
ومع ذلك، يبقى جانب آخر من الحكاية ، حين نقف أمام هذا الشيخ الكبير، ونبدأ بالمكاسرة على ريال، أو نحاول إنقاص السعر، ننسى أن هذا الريال هو هامشه الضئيل أصلاً ، ننسى أن ما نراه مبلغاً بسيطاً، هو عنده فرق بين يوم مقبول ويوم خاسر ، هنا لا يكفي التعاطف العاطفي ، بل نحتاج تعاطفاً واعياً !!! أن نشتري دون جدال، أو على الأقل نخفف من حدّة المساومة، وإن لم نرغب بالشراء، ننسحب بلطف ، دون جرح، دون تقليل، ودون استعراض لفكرة: “قد يكون يغشني” أو “ربما يبالغ في السعر”.
أنت لست مجبراً أن تشتري،
لكن أيضاً لست بحاجة أن تثبت ذكاءك على حساب رزقه. الأمر ببساطة قرار ، بإمكانك أن تدعمه، أو تمضي بأدب ، فبعض المواقف لا تُقاس بالربح والخسارة، بل تُقاس بالأثر ، أن تختار الشراء منه، ليس لأنك مضطر، بل لأنك تريد أن تكون جزءً من تحسّن يومه ورضاه ، ولو بريال.
-هؤلاء ليسوا مجرد باعة !
هم ذاكرة المكان، وبساطة المدن، وملامح الحياة التي لم تفسدها الحسابات الكبيرة ، وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً:
هل هم قانعون بما لديهم !
أم أنهم فقط تعلّموا كيف يكتفون بالقليل.



