18 , أبريل 2026

القطيف اليوم

شيءٌ من كلّ شيء

في زمنٍ يتطلب و يتسارع فيه التخصص، ويُطلب من الإنسان أن يُتقن زاويةً واحدةً حتى حدّ الإتقان، تبرز حاجةٌ هادئة وعميقة إلى أن يكون للمرء “شيءٌ من كلّ شيء”، لا على سبيل الرفاهية أو التشتت، بل على سبيل الاكتمال ، فالتخصص يُقيم العمود، أمّا تنوّع وممارسة بعض المهارات فينسج حوله الحياة والامتداد.

   ⁃    ليش لا .
ليس غريباً أن ترى طبيب أسنان يحمل كاميرته بشغف، يلتقط تفاصيل الضوء كما يلتقط دقّة المهنة في عيادته ، ولا أن تجد جرّاحاً يقف أمام لوحة خط عربي، يروّض الحروف كما روّض يده على أدقّ العمليات ، المعماري حين يكون رسّاماً، لا يكتفي ببناء الجدران، بل يُحاور الظلّ، ويصنع فراغاً له روح ، والرياضي، حين يُصادق الفن، لا يُنمّي جسده فقط، بل يُهذّب إيقاعه الداخلي.

   ⁃    ليس ملء فراغ .
هذه الازدواجية الجميلة ليست ترفاً، بل ثراء ، حين يخرج الإنسان من حدود تخصصه إلى فضاءات ومهارات أخرى، فإنّه يعود إلى مهنته الأولى بعينٍ أوسع، وخيالٍ أخصب، ونَفَسٍ أطول ، الطبيب الذي يقرأ الأدب ،قد يفهم مرضاه أكثر، والمهندس الذي يمارس التصوير يرى التفاصيل التي قد يغفل عنها غيره، والمعلم الذي يقرأ ويكتب يصبح أقدر على إيصال الفكرة بروحٍ حيّة.

   ⁃    ماوراء التخصص .
ثمّة مهارات، حين تُجاور التخصص، تُضيء جوانبه الخفية ، الخطّ مع الطب يزرع الصبر والدقّة ، الرسم مع العمارة يعمّق الحسّ الجمالي ، التصوير في الشارع وحياة الناس و مع السفر يوثّق الذاكرة، ويحوّل التجربة إلى أثرٍ باقٍ ، والحِرف اليدوية، كالنحت أو الزخرفة أو النجارة ، أو الطهي ، تُعيد للإنسان صلته بالمادة، وبأصل الأشياء.

   ⁃    نبض .
ولعلّ الأجمل في “شيء من كلّ شيء” أنّه لا يُطلب دفعةً واحدة، ولا يُقاس بكمّ وعدد الإنجاز، بل بنبض الاستمرار ، أن تمنح نفسك مساحة صغيرة تتعلّم فيها، تُخطئ، وتُجرّب ، أن يكون لك ركنٌ جانبي في حياتك، لا تُطالب فيه بالكمال، بل بالحضور ، في النهاية، الإنسان ليس مهنةً واحدة، ولا بطاقة تعريف مختصرة ، هو عدة مهارات أودعها الله تعالى فيه ، وأيضاً فيه طبقات من الشغف، وخيوط من التجارب، وملامح تتشكّل كلّما اقترب من ذاته أكثر.

   ⁃    قد يقول قائل:
هل لدى المتخصص وقتٌ أصلاً ليمارس هواية؟ أليس غارقاً طوال يومه بين مشروعه و مكتبه، وعيادته، ومهامه التي لا تنتهي؟ متى يمكنه أن يمسك ريشة، أو يخطّ حرفاً، أو حتى يلتفت لجسده بممارسة رياضة؟
والجواب ليس في وفرة الوقت، بل في طريقة النظر إليه ، فالهوايات لا تحتاج فراغاً كاملاً، بل تحتاج مساحة صادقة، ولو كانت قصيرة ، نصف ساعة في نهاية يوم طويل قد تُعيد ترتيب الداخل، وساعة في الأسبوع قد تفتح باباً لا يُغلق من المتعة والاتزان ، ليست القضية أن يكون “فاضياً”، بل أن يمنح نفسه حق التوازن ، 
ثم إن المدهش أن هذه المساحة الصغيرة لا تُنقص من إنتاجه، بل تزيده ، يعود إلى عمله أكثر صفاءً، وأهدأ قراراً، وأعمق حضوراً ، كأن تلك الهواية ليست وقتاً ضائعاً، بل استثمارٌ خفيّ يعيد شحنه، ويمنحه القدرة على الاستمرار دون أن يبهت.

   ⁃    لابأس .
أن تكون متخصصاً ، هذا مهم جداً ومن متطلبات الوظيفة وصولاً للتفوق والامتياز   ، لكن أن يكون لك “شيءٌ من كلّ شيء”
هذا ما يمنحك فرص أكبر ، و حياةً أوسع، وأعمق، وأجمل وأهدأ.


error: المحتوي محمي