12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

عادل.. قصة وجع لا يُقال

الموت فكرة يعرفها الجميع.
نسمع عنه، نحضر الجنائز، ونرى الناس يودّعون أحبتهم كل يوم.
لكن الموت حين يمر بعيدًا يختلف كثيرًا عن الموت حين يدخل البيت.
كثير من الناس يظنون أن الحزن يُقاس بالدموع، وأن الألم لا يكون حقيقيًا إلا إذا ظهر بصوت مرتفع وبكاء واضح.
لكن الحقيقة أن بعض الأحزان أعمق من أن تُقال، وأثقل من أن تُبكى.
هناك أناس يعيشون الفقد بطريقة مختلفة.
لا يصرخون، لا يشكون، وربما لا يبكون أمام أحد.
لكن داخلهم تدور معارك كاملة لا يراها أحد.
أتذكر يوم رحلت  أم علي.
أم علي رحمة الله عليها لم تكن مجرد أم بالنسبة له.
كانت عالمه كله.
هي التي ربّته، وسهرت عليه، وتحملت ضعفه، وعلّمته النظام، وقادته في حياته خطوة خطوة.
كانت اليد التي تمسك به حين يتعثر، والصوت الذي يطمئنه حين يقلق.
وكان يحبها بطريقته البسيطة الصادقة.
في تلك الأيام الأولى بعد وفاتها، بدا واضحًا أن عادل يعيش ألمًا عميقًا، لكن بطريقته الخاصة.
ألمًا لا يُسمع… بل يُحس.
لم يكن المشهد كما يتوقعه الناس حين يفقد الإنسان أمه.
لم أرَ عادل يبكي، ولم أسمعه ينوح أو يصرخ.
لكنني رأيت شيئًا كان أشد قسوة من البكاء.
كان يمشي في البيت ببطء،
ثم يجلس فجأة على الأرض وكأن الدنيا تدور به.
يقف قليلًا، ثم يعود للجلوس، وكأن الأرض وحدها قادرة على حمل هذا الثقل الذي في صدره.
لم تكن هناك كلمات.
لم تكن هناك دموع كثيرة.
لكن كان هناك وجع كبير يسكن وجهه، وشيء ثقيل يمر في عينيه كلما ذُكر اسمها.
أتذكر لحظة الجنازة.
كان الناس يمشون خلف النعش بخطوات متتابعة، كما يحدث في كل جنازة.
لكن عادل كان مختلفًا.
كان يمشي ببطء شديد،
بخطوات ثقيلة غير منتظمة، كأن الطريق أصبح أطول مما هو عليه.
كانت عيناه تحاولان أن تصبرا على الدموع.
لم يكن يصرخ،
لم يكن يبكي بصوت عالٍ،
لكن وجهه كان يقول كل شيء.
وكان في داخله نداء صامت…
نداء قلب يريد أن تعود أمه.
كأنه لا يريد أن يصدق.
وكأن عقله يقاوم الفكرة نفسها.
في تلك اللحظة، وأنا أراقبه، تذكرت الجملة التي كان يرددها دائمًا حين يمازح الأطفال صديقه حماد.
كان يقول بإصرار:
"حماد ما مات… عايش للأبد."
لكن هذه المرة…
لم يكن الأمر عن حماد.
كان الأمر عن أمه.
وكأن قلبه يريد أن يقول:
"أمي ما ماتت… عايشة للأبد."
لكن الموت هذه المرة لم يكن مزحة أطفال يمكن إنكارها.
هناك أحزان لا تظهر في العيون،
لكنها تغيّر ملامح القلب إلى الأبد.
ذلك اليوم لم يكن مجرد جنازة،
بل كان اليوم الذي تعلّم فيه عادل أن العالم يمكن أن يتغير فجأة،
وأن بعض الغياب لا يمكن للعقل أن يقبله… حتى لو رآه بعينيه.
وهذه القصة ليست إلا صفحة من حكاية أكبر،
حكاية إنسان بسيط عاش الحياة بقلبٍ مختلف وروحٍ نقيّة.

مقتبس من رواية:

عادل… حكاية قلب

قريبًا.


error: المحتوي محمي