ليست كل اللقاءات تختبر بالدقائق… بعضها يعرف بما يوقد في الداخل فجأة كأن شيئًا كان خامدًا فاستيقظ أو كأنك خرجت من نفسك قليلًا لتعود إليها بصورة أجمل.
القصة لم تبدأ من المقهى… بدأت من رسالة قصيرة تحمل روحًا أكبر من كلماتها
“سلام أبو كميل… لعلك تشتهي كوبًا من القهوة وقطعة كعك؟ متى؟”
لم تكن دعوة عادية فقد كانت أشبه بمفتاح صغير لباب كنا نتركه مغلقًا دون انتباه. أجبته بما يليق بوده "أهلاً وسهلاً يا أبا علي (الأستاذ هلال الوحيد)… يا صديق الحرف الذي لا يتعلم منه الناس فقط ويشعرون به. وقلت له دعها تكون على الثالثة والنصف… لا أحب أن أجيء متعجلًا للحظات كهذه".
قبل الموعد بقليل كنت أستشعر شيئًا مختلفًا… لقاء إنساني يخلع عن صاحبه عباءة التعريفات ويتركه كما هو.
وعند باب المقهى… حدث ما لا يكتب غالبًا حيث التقت العيون قبل الكلمات وارتسمت ملامح الأُنس في لحظة تعرف الطريق بنفسها. لا حاجة لعبارات طويلة فيكفي أن تقول “حياك الله” ويكون في الصوت ما يغني عن بقية الحديث.
دخلنا.
طلبنا قهوتنا وكعكتنا… لكن الحقيقة أننا طلبنا شيئًا آخر دون أن نصرّح به "طلبنا أن نكون كما نحن بلا رتوش".
جلسنا فكان الفنجان بيننا شاهدًا على حكايات تدفقت بعفوية لا تحمل ثقل الترتيب ولا قيود الصياغة. لم نتحدث عن “الكتابة” كموضوع… كنا نحن الكتابة ذاتها لكن بصيغة حية.
ضحك يأتي في وقته دون إعداد تعليقات تحمل من الخفة ما يجعلها أقرب للقلب من أي نص مصقول وذكريات تستدعى لتعاش مرة أخرى كما لو أنها تحدث الآن.
وفي لحظة ما… نسيت أنني جئت إلى مقهى إذ شعرت أن المكان اتسع ليكون أوسع من جدرانه وكأن الطاولة صارت مساحة نرتب عليها ما تراكم في داخلنا من أيام متشابهة.
المدهش أن الحديث لم يكن متتابعًا كحوار تقليدي… كان يقفز ويعود ويشرق ويلمّح ثم يفتح بابًا آخر. وكأن الحكايات نفسها تعرف كيف تتنقل دون أن تضيع.
مرّ الوقت كأنه متواطئ معنا لا ينبهنا إلى رحيله. ساعتان… وربما أكثر لا فرق. لأن الشعور لم يكن بحساب الدقائق ولكن بامتلاء اللحظة. حتى الكعكة لم تكن مجرد طعم… كانت جزءًا من المشهد تؤكل على مهل وكأنها تقول "لا تستعجلوا هذه اللحظة".
وحين نهضنا… لم ينته اللقاء.
وقفنا على باب المقهى نكمل ما بدأناه وكأن المكان يرفض أن يغلق فصله الأخير بسرعة. بقيت الحكايات معلّقة بيننا تلح أن تمتد دقائق أخرى… ورضخنا لها.
في تلك اللحظة تحديدًا… أدركت شيئًا مهمًا
"أن بعض اللقاءات لا تشبعك وتفتح شهيتك للحياة".
نحن نعيش أيامًا تعاد بنسخ متشابهة فننجز ونتابع ونمر ثم نعود لنقطة البداية دون أن نلحظ. لكن لقاء كهذا… يقطع هذا الخط المستقيم ويضع نقطة مختلفة تقول لك "يمكن أن تعيش يومك بطريقة أخرى".
هذا النوع من اللقاء لا يقدم لك “فائدة” بالمعنى المعتاد… لكنه يعيدك لنفسك وهذا أعظم.
لا تحتاج فيه أن تبهر وتبهرج ولا أن تثبت وتعلل ولا أن تنقح جملة قبل أن تقولها. يكفي أن تكون حاضرًا… فقط وبأريحية.
وأجمل ما فيه… أنه لا يتقدم كحدث صاخب ومع ذلك يترك أثرًا لا يمحى بسهولة.
حين افترقنا… لم أشعر أني غادرت صديقًا إذ كأنني حملت معي جزءًا من ذلك اللقاء. خفة في الروح وارتياح في الفكر، وارتياح ملامح لا سبب ظاهر له.
عدت إلى يومي…
لكن يومي لم يعد كما كان.
ولأننا كنا كاتبين يلتقيان خارج الصفحات نكتب أحيانًا في القطيف اليوم فقد بدا اللقاء مختلفًا… بلا تزاحم وبلا استعجال وبمساحة تليق بمن يعرف قيمة الكلمة حين تقال لا حين تنشر فقط.
لهذا…
إن أردت أن تعيد للحياة طعمها… لا تبحث بعيدًا.
اتصل بصديق يشبهك وحدد موعدًا بسيطًا واجلس معه كما أنت… وسترى كيف تتغير أشياء كثيرة بهدوء.
فبمثل هذا… تُصنع الأيام التي لا تُنسى.



