يدّعي بعضهم أن الجملة: (الجمال جمال الروح) ليست إلا مواساة لقبيحي المنظر، كما يرون في القول: (القناعة كنز لا يفنى) تسليةً للفقراء. ويزعمون أن الحقيقة واضحة لا تحتاج إلى مزيد فلسفة؛ فهي باختصار: القبيح قبيح المنظر، والغني غني المال، ونقطة على السطر، ثم ماذا؟ ثم يبحث الشاب عن الجمال بوصفه شرطًا أساسًا للارتباط، دون التفاتٍ إلى الجوهر، ليكتشف بعد فوات الأوان أن جمال المنظر قد يكون غلافًا بديعًا لخللٍ عميق، وأن ما يُبهر العين أول الأمر قد يثقل القلب لاحقًا. ذلك لأن الجمال الذي يراه الإنسان ليس إلا صورة، أما الذي يدركه مع الزمن فهو الجوهر. فإذا اختلّ الجوهر، انقلبت النظرة، وغدا ذلك الجمال نفسه همًا وغمًا بعد أن كان فتنة.
في تصوري أن جمال المنظر قد يكون من أبرز أسباب فشل بعض الزيجات؛ لا لذاته، بل لما يصنعه من غفلة. فهو يتحول أحيانًا إلى مصيدةٍ تلهي العيون عن عيوبٍ كامنة في الداخل. وحين يدرك الشاب أو الشابة، بعد حين، حقيقة ذلك الجوهر، يكون الأمر قد تجاوز مرحلة التدارك، ويصبح الرجوع عسيرًا. وقد يبدأ كل ذلك بتفاصيل صغيرة: أنفٍ دقيق، أو عينٍ حوراء لامعة، بينما كانت في الداخل عيوب لم تُرَ أول الأمر. ثم لا يلبث أن ينكشف المستور، فيسقط غلاف الجمال، ويظهر ما تحته، حين لا يكون ثمة طريقٌ يسير للرجعة. وهنا يفشل الارتباط. ولو أُعطي السؤال عن الجوهر ما يستحقه من عنايةٍ قبل الإقدام، لخفّت كثير من حالات الطلاق، ولوجد مأذونو الأنكحة متسعًا من الوقت لما هو أنفع من كثرة فسخ العقود.
أخطر ما في جمال المظهر ليس الجمال ذاته، بل الوهم الذي يحيط به؛ إذ يتوهم الناس أن الجوهر يطابق الظاهر، والحال أن الأمر ليس كذلك دائمًا. ولأن الإنسان بطبعه يميل إلى كل جميل، فإنه قد يقع في شرك هذا الجمال، فيُقبل عليه دون تبصّر، وتغدو المسألة حينئذ أقرب إلى مقام الحظ والمصادفة. فالجمال لا يكشف حقيقته من النظرة الأولى، وإنما تظهر قيمته حين ينكشف ما وراءه. ومن هنا، فإن أسرةً تظن أن جمال المظهر كفيل بإسعاد أبنائها حين الارتباط، إنما تراهن على ما لا يُعوَّل عليه. ابحثوا عن الجوهر؛ فكم من جمالٍ آسرٍ أفسده سوءُ طوية، حتى انقلب في نظر من عرف حقيقته من فتنةٍ تُطلب إلى عبءٍ لا يُحتمل.


