12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

درهم وقاية خيرٌ من قنطار علاج (17) «خاص لمرضى الأنيميا المنجلية (3)»

ما رأيكم في طبيبٍ يصف لمريضه العلاج اليومي فيقول له: خذ هذا الغذاء، واستبدل هذا السلوك، وابتعد عن هذا وذاك، ولا وصفة دواء؟ قد تبدو وصفة غريبة، ولكن بعض المرضى أخذوا يعتادون عليها. لقد أصبح ممكنًا الآن إظهار الحقيقة المؤلمة حول كيفية التعامل الطبي مع المرضى، هذه الحقيقة هي أن معظم العلاجات الدوائية قد تكون كارثية. كنت أتمنى أن تكون المعالجة سلوكيًا وليس دوائيًا، كنت أريد أن أرى أساليب العلاج الطبيعي، كون الكثير من الأمراض التي يصاب بها الإنسان في عصرنا الحالي لا يوجد لها حتى الآن علاج ناجع في الطب الحديث. فماذا نتوقع أن يحدث؟!

شباب قضوا أعمارهم، وتوقفت آمالهم، ودُفنت كفاءاتهم، وعلّقت نظرتهم للحياة. لقد والله أحزنني وأنا أسترجع حادثة ما زالت عالقة في ذاكرتي، ورأيتُ أنها تستحق أن تُروى، محطة توضح حالة مرضى فقر الدم المنجلي، أسأل الله تعالى أن تكون محطة توعوية تخرجنا من أتون الآلام والآهات. إنه حديث ذو شجون يمس حبنا للحياة وخوفنا من المرض، محطة نلتقط منها الدروس الثمينة التي لا تُقدّر بثمن، والتي تزداد معها الفائدة فهمًا للحياة وربحًا لمعركتها كلما امتد الزمن. محطة تستحق منا أن نتوقف عندها ونصوغ أعمق الصور وأصدقها، صور تعكس سلوكيات وممارسات قد تصنع وعيًا عامًا لمرضى فقر الدم المنجلي كرسالة نؤمن بها، صور نتعلم منها ونتعظ بدروسها ونحيا كل يوم حياة جديدة نحس بجمالها وقيمتها.

لا أدري من أين أبدأ حديثي، فالحياة ميدان معركة تبدأ لكن لا تنتهي، إنها معركة نضال مستمر من أجل السعادة وتحقيق الآمال.

أحد الإخوة الأعزاء من زملاء العمل، كفاءة شابة، سعدتُ بالعمل معه، وهو مجتهد ومثقف وذكي ومتخصص، وفي غاية النبل والهدوء. كان يعاني من هذا الاعتلال، وزيادة حالات التغيب عن العمل، وبقائه أيامًا طويلة على السرير الأبيض، والضغوط العملية المصاحبة لغيابه، انعكس ذلك سلبًا على أدائه الوظيفي. إن وضعًا مثل هذا — يتكرر للأسف في معظم أيام السنة — لا يمكن أن يوصف بأنه حالة طبيعية، فكان لازمًا عليَّ متابعة حالته الصحية بحكم مسؤوليتي في القطاع الذي يعمل فيه. لقد أصبحت حالته شغلي الشاغل.

كنتُ كثير السؤال عنه، واطلعت على نوعية الطعام الذي يأكله وسلوكه الغذائي. لم يعد الأمر يحتمل الانتظار. لقد تألمتُ كثيرًا وأنا أرى حالته تزداد سوءًا، إذ اصفر وجهه، وهزل جسده، وتراكم ضعفه. هنا باتت الصورة واضحة، فالإشكالية لم تعد قاصرة على نوعية الطعام فقط، بل امتدت إلى سلوكه وطريقة تناوله للطعام. نعم، عادات غذائية بعيدة كل البعد عما يجب أن تكون عليه. فالغذاء هو نوع وكيف، ويكفي أن نعرف أن مصدر طعامه دومًا من خارج المنزل، من المطاعم والبوفيهات، والمشروب الغازي «المدمر» يرافق وجبته الغذائية صباحًا وظهرًا وليلًا، وملابسه الصيفية يرتديها في الشتاء.

من هنا بدأتُ بمحاولة تصويب سلوكه العام. حاولت كثيرًا، ومكثت معه أيامًا طوال من أجل إقناعه بتغيير نمطه الغذائي. لقد سلكتُ كل السبل كي أدفع عنه تلك الأخطار المدمرة لروحه وكيانه، لكنه لم يحاذر وهو يرى ويسمع أنات الألم ومآسي محزنة ووفيات سقطوا بسبب هذا الاعتلال. لا شك أن سلوكه المتردي سيكلفه حياته. لقد استمريتُ على ذلك فترة طويلة من أجل تصحيح نمط حياته وعاداته الغذائية — للأسف الشديد — لقد أصبت بالفشل والهزيمة وخيبة الأمل. نعم، لقد يئستُ وفقدتُ كل منافذ النجاح، لأنني لم أحقق مبتغاي وهدفي بعد هذا الجهد.

استمر الحال على ما هو عليه، بل أصبحت حالته يُرثى لها. الوضع الفعلي لا يوحي بأن هناك ما يشير إلى تغيير الحال والاتجاه بحياته إلى جانب الأمان. عندها أدركتُ أن معاناته ستستمر، ومتاعبه ستزداد، ومقاومته ستضعف، ويمكن أن تودي بحياته. نعم، لقد اختار مصيره بنفسه. اختار الطريق الذي سيقوده إلى مخاطر الموت في كل لحظة، وهو لا يدري أن حياته غالية على أهله ومحبيه، فحالته الصحية تزداد سوءًا، وهو يتجه نحو نهاية مفجعة وحزينة، ليس تنبؤًا بل واقعًا يدفعه أجلٌ موقوف صنعه بإرادته الكاملة.

وفعلًا، خبر وفاته لم يكن مفاجئًا، لأنه كان واضحًا. لقد مات الشاب، وماتت معه كل الأشياء الجميلة في حياته. لقد والله أحزنني ما جرى، ولا شك في أنه يحزن كل محب. إن الموت قدر مكتوب لا يستطيع أحد الفرار منه، ولكن الله سبحانه أمرنا أن لا نرمي أنفسنا في التهلكة. إن ما حدث للشاب الزميل يصب في ذلك الاتجاه. لقد كانت صدمة كبيرة وفجيعة مؤلمة، فقد اختطف الموت شبابه، خسارة شاب لأهله ومحبيه وزملائه. لقد انتهت حكاية زميلنا وترك في أنفسنا لوعة الفراق. غادر دنيانا بسرعة، فما أقسى الحياة التي وضعت حدًا للأحلام والآمال. كم تألمنا لفراقه، وكم تأثرنا ونحن نرى مكتبه خاليًا. لقد أحزننا حزنًا بالغًا، لحظات ألم برحيل الزميل، ورحيل لذة العمل معه.

لقد كانت كتابتي عن الزميل ونقدي لسلوكه المدمر سقتها على سبيل التوعية، والتوعية من أهم الأسلحة التي يجب أن يتزود بها الإنسان في حربه ضد المرض الذي يضرب جسده، وهو عمل يهدف إلى تغيير السلوكيات الخاطئة. هناك مسؤولية تقع على عاتق أناس من ذوي الاختصاص والخبرة. لا بد من التوعية، إنها مسؤولية نطالب بها ونؤمن بجدواها.

إنني أدعو الله تعالى للزميل العزيز الذي فقدنا العمل معه بالرحمة والمغفرة، ولأهله بالصبر والسلوان. هذه هي نهاية ذكريات الزميل الشاب الذي لم يشعر بمتعة الحياة.

وبعد، فهذه حالة من حالات مرضى فقر الدم المنجلي، عامرة بالأسى والحسرة على العمر، تستحق أن تُروى، مع أننا مقبلون على الحياة ما وسعتنا الحياة، لا نفر من معتركها، ولا نهرب من أحداثها. وللحديث بقية.


error: المحتوي محمي