21 , مارس 2026

القطيف اليوم

من عبق الماضي: العيد في القطيف “أنفاس الطفولة الجميلة”

في القطيف لم يكن عيد الفطر مجرد يوم يعلن انتهاء الصيام، بل كان عالمًا كاملًا من الذكريات التي تتكوّن من تفاصيل صغيرة لكنها عميقة وكبيرة الأثر. أجل، كانت تسكن الوجدان وتكبر مع السنين. يولد العيد قبل أن يهلّ في طيّ الليالي الأخيرة من شهر رمضان، حين تتبدل ملامح البيوت، وتفوح رائحة الاستعداد، وتتحرك القلوب بفرح خفي لا يشبه شيئًا سوانا نحن الأطفال. فتلك الليلة لا يأتينا النوم، نريد أن نلبس الثياب الجديدة ونشتري بها الألعاب.

كانت الأسرة هي المحور الدافئ الذي يلتف حوله كل شيء؛ الأب منشغل بتأمين مستلزمات العيد، والأم ترتب الملابس وتجهز ما يلزم، والأطفال يعيشون حالة ترقب لا تهدأ، يراقبون الأكياس ويتفقدون ثيابهم الجديدة مرارًا وكأنهم يخشون أن تختفي قبل صباح العيد. كانت الملابس تُعلّق بعناية، لا تُلبس إلا في ذلك الصباح، وكأن لها قداسة خاصة.

وفي تلك الأيام لم تكن الحلاقة مجرد ترتيب للمظهر، لكنها كانت طقسًا من طقوس العيد. يذهب الصغار إلى “المحسن، المزين”، حيث مكائن الحلاقة اليدوية التي تُدار بصوت يشبه الهمس، بلا كهرباء وبلا تعقيدات، لكنها تصنع هيئة العيد. وكانت للحلاقة درجات يعرفها الجميع، من “التحسونة، الحسونة” بأرقامها، وصولًا إلى الصفر، أو تزيين الشعر بموضات غريبة أو تقليد ذاك الزمان، وغالبًا ما يختار بعض الصغار قصة فرق الشعر مع كثافته.

في صباح العيد كان كل شيء مختلفًا؛ تستيقظ البيوت على حركة غير معتادة، يرتدي الجميع ملابسهم الجديدة، ويخرجون بقلوب مفعمة بالأمل، يتبادلون التهاني وتبدأ أولى خطوات الفرح. فترى الأطفال يجتمعون في الأزقة، يطرقون الأبواب، يرددون عبارات التهنئة، وينتظرون “العيدية” بعيون تلمع.

“العيدية” التي كانت تفتح بابًا لفرح آخر؛ قد يكون ريالًا أو نصف ريال يكفي لتوفير مشروب بارد من دكان الفريق أو حلوى صغيرة تؤكل ببطء وكأنها كنز. كانت القيمة في الشعور لا في المبلغ، وكانت الضحكة التي ترافق تلك اللحظات تساوي الكثير. نعم، كانت العيدية لحظة لا تُنسى؛ “قطعة نقدية صغيرة” أو ريال ورقي جديد “يقرقع”، لكنهما يحملان فرحًا عظيمًا تُقبض عليه الأيادي وكأنه غنيمة، تُعدّ مرة ومرتين وتُقارن بين الأصدقاء لا بدافع التفاخر، بل بدافع المشاركة والدهشة. ولم نكن نحس بها؛ كانت تُصرف بسرعة، غالبًا في نفس اليوم.

وفي الطرقات كان يظهر مشهد لا يقل جمالًا، مثل: “بائع أو بائعة الألعاب أو الباعة الجوالون”، يحملون معهم عالمًا صغيرًا من الفرح (صفارات، بالونات، مسدسات ماء وهوائية، دمى بسيطة، ألعاب تصدر أصواتًا خفيفة). كانت تلك الألعاب، رغم بساطتها، كفيلة بأن تجعل الطفل يشعر أنه امتلك شيئًا عظيمًا. فالصغار يتجمهرون حول البائع ويختارون بحذر، يترددون ثم يحسمون قرارهم وكأنهم أمام صفقة العمر. ولم تكن هناك وفرة كما اليوم، لكن كان هناك شغف؛ حيث لم تكن الخيارات كثيرة، بل كانت لها قيمة في كل لعبة تُحفظ، وكل صوت يُعاد، وكل لحظة تُعاش بكاملها.

وكانت الزيارات العائلية تمتد من بيت إلى آخر، حيث تُفتح الأبواب بلا مواعيد وتُستقبل الوجوه بابتسامات صادقة. ويجتمع الكبار في المجالس، ويتفرق الأطفال في الساحات يركضون بلا قيود. فقد كانت العلاقات أقرب، والقلوب أصفى، والوقت يمضي ببطء جميل. ومن المشاهد الراسخة أيضًا الذهاب إلى “استوديوهات التصوير” القديمة، حيث تجتمع الأسرة في لقطة واحدة، يرتدي الجميع أجمل ما لديهم ويجلسون بهدوء أمام الكاميرا ينتظرون تلك اللحظة التي ستخلدهم. فتلك الصورة كانت حدثًا كبيرًا وليست مجرد لقطة.

أما الفرح الأكبر للصغار فكان في الذهاب إلى “منتزه القطيف”، حيث الألعاب البسيطة التي كانت تبدو كأنها عالم متكامل، ولم تكن غيرها في القطيف، فتُعد بالنسبة لذاك الجيل المتنفس الوحيد، تكفي لتصنع يومًا لا يُنسى. ومع امتداد أيام العيد كانت الرحلات العائلية والشبابية تأخذ مكانها إلى البحر، إلى (الجبيل، منيفة، الحويلات، هاف مون “شاطئ نصف القمر”) وغيرها من الأماكن مثل الاستراحات القريبة. فهذه الرحلات كانت بحد ذاتها عيدًا آخر مليئًا بالضحك واللعب والذكريات الجميلة.

ذلك العيد لم يكن أكثر فخامة، لكنه كان أكثر صدقًا، ولم يكن أكثر تطورًا، لكنه كان أكثر دفئًا. وكانت البراءة حاضرة في كل أيامه، من ضحكة طفل إلى قطعة نقدية إلى لعبة بسيطة إلى صورة قديمة ما زالت معلقة في ذاكرة الأيام. والآن حين نستعيد تلك الصور لا نستحضر مجرد ذكريات، بل نستحضر زمنًا كانت فيه الحياة أقل تعقيدًا وأكثر صفاء، حين كان الطفل يفرح بنصف ريال وتكفيه لعبة بسيطة ليصنع عالمًا من الخيال. هذا هو عيد القطيف القديم؛ حكاية تُروى، وذاكرة تُحفظ، وإرث اجتماعي يستحق أن يُوثق، لا لأنه كان أفضل في كل شيء، لكنه كان أصدق في شعوره وأعمق في أثره.


error: المحتوي محمي