17 , مارس 2026

القطيف اليوم

من عدسة التوثيق إلى عين الباحث

عند الساعة الثالثة من عصر يوم الثلاثاء 17 مارس 2026، توجهت إلى مسقط رأسي قلعة القطيف، إلى أحد البيوت التقليدية القديمة التي يُقدّر عمرها ما بين 300 إلى 350 سنة، لم تكن هذه الزيارة مجرد جولة تصوير كما اعتدت في كثير من رحلات التوثيق، بل شعرت أنني أقف على عتبة مرحلة مختلفة تمامًا.

لسنوات طويلة كان اهتمامي الأول توثيق المباني بالتصوير الفوتوغرافي، وما زلت أؤمن أن الصورة أداة عظيمة في حفظ التفاصيل المعمارية، فالكاميرا قادرة على التقاط تفاصيل الزخارف، والظلال، والخطوط، وكل ما يمكن أن تراه العين، لكن ما شعرت به اليوم كان شيئًا آخر ومختلفًا، شعرت أنني أنتقل من مرحلة التوثيق إلى مرحلة البحث، لم أعد أكتفي بتصوير المكان وتفاصيله، بل بدأت أبحث عن سره، أبحث عن تفسير لما أراه، وعن قصة تختبئ خلف كل تفصيلة صغيرة، بدأت أنظر وأدقق وأتأمل في الجدران بطريقة مختلفة، عيني هادئة تتحرك بحذر، أستمع لصوت الجدران، ولون الجص، وملمسه، وشكله، وكيف تم فرد الجص على الجدار، تأملت الجذوع والچندل والباسجيل التي تحمل السقف، والروازن في الجدران، وتعدد الزخارف التي تزين الغرف والممرات والأقواس، والفراغ الداخلي للمكان، وطريقة تشكّل الغرفة، أصبح له معنى آخر عندما يُنظر إليه بعين الباحث.

ومن بين الأمور التي لفتت انتباهي مسألة طالما سمعنا عنها في وصف البناء القديم: استخدام الرماد (الخگري) في ربط الحجارة، والرماد في الظاهر كلمة بسيطة، لكن عندما تأملت الجدار عن قرب وجدت بقايا واضحة من الفحم الأسود داخل مادة الربط، أدركت حينها أن الأمر لم يكن مجرد وصف تقليدي، بل حقيقة مادية يمكن رؤيتها، بقايا جذوع وخشب احترق، اختلط بالجص اللاصق، وترك أثرًا واضحًا في الجدار بعد مئات السنين، قمت بتوثيق ذلك بالتصوير، لكن الأهم من الصورة بالنسبة لي كان الشعور بالاكتشاف نفسه.

أما الاكتشاف الثاني فكان أكثر إثارة للتساؤل، داخل إحدى الغرف لاحظت عنصرًا معماريًا يشبه ما يُعرف في بعض مناطق ووسط المملكة بما يسمى “الطرمة”، كان شكله مألوفًا وغريبًا في الوقت نفسه، هل هو فعلاً عنصر مشابه لما نراه في عمارة مناطق أخرى؟ أم أنه تفصيل محلي له وظيفة مختلفة؟ لا أملك الإجابة بعد، لكن مجرد طرح السؤال هو بداية البحث.

وهنا أدركت أن الفرق بين المصور والباحث ليس في الأداة، بل في طريقة النظر والهدف، المصور يلتقط الصورة، أما الباحث فيتوقف عندها طويلًا، يسأل: لماذا؟ وكيف؟ ومتى؟ وأين؟

في هذه اللحظات شعرت أنني لا أصوّر المكان فقط، بل أصوّر الفكرة الكامنة خلفه، تصوير لا يعتمد على الضوء والعدسة وحدهما، بل على التأمل والبحث ومحاولة فهم التفاصيل الصغيرة التي صنعت هذا البناء.

البيوت التقليدية في واحة القطيف نصوص معمارية مفتوحة، كل تفصيلة فيها تحمل حكاية، في لون الجص، في أثر وبقايا الفحم، وطريقة وشكل التلييس، في الروازن الصغيرة، في الزخارف المتكررة، في القواقع وبقايا الأصداف البحرية، في المزاريب والقنوات الفخارية، وحتى في العنصر الغامض الذي قد يكون “طرمة” أو ملقف هواء أو شيئًا آخر لم أفهمه بعد.

ربما كانت هذه الجولة الاستكشافية بداية مرحلة أكثر توجهًا وتخصصًا بالنسبة لي، مرحلة لا أكتفي فيها بتوثيق الصورة الضوئية، بل أسعى إلى البحث عمّا وراء المادة والصورة.

Uploaded Image


error: المحتوي محمي