كثيرٌ من الناس يَقِفون عند لحظة الألم، ولا يَرَون ما وراءها من الحكمة، مع أن القرآن فتح لنا باب الفهم بقوله تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْـًٔا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْـًٔا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. فليس كلُّ ما يُوجِعُ القلبَ شرًّا، ولا كلُّ ما يَسُرُّ النفسَ خيرًا؛ إذ كثيرًا ما يُخبِّئ الله في طيّات المكروه نجاةً، وفي باطن المنع عطاءً، وفي شدّة الابتلاء تربيةً ورفعةً ونضجًا.
في الحياة العامة، قد يخسر الإنسان وظيفةً كان يظنها أمانه، ثم يفتح الله له بابًا أوسع رزقًا، وأكرم قدرًا، وأهدأ نفسًا. وفي الاقتصاد، قد يتعرّض التاجر لخسارةٍ توقظه من الغفلة، فتجعله أكثر حذرًا، وأحسن تخطيطًا، وأقدر على إدارة المال؛ فيتحول التعثر إلى درسٍ لا يُشترى بثمن. وفي السياسة، قد تمرّ الأمم بأزماتٍ قاسية، لكن تلك المحن قد تدفعها إلى مراجعة أخطائها، وتقوية مؤسساتها، وبناء وعيٍ أشد صلابةً في مواجهة المستقبل. وفي المجتمع، قد يتأخر نجاح مشروعٍ أو زواجٍ أو سفرٍ، ثم يتبيّن بعد حين أن التأخير كان رحمةً، وأن ما ظنه المرء حرمانًا لم يكن إلا حمايةً. وفي الأسرة، كم من مرضٍ أو ضيقٍ أو خسارةٍ جمع القلوب بعد تفرّقها، وأعاد للأهل معنى الرحمة والتكافل والدعاء.
ولذلك كان البلاء جزءًا من سنن الحياة، قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾، وقال سبحانه: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾. فالضربة التي لا تقتل الإنسان قد تُقوِّيه، والمحنة التي تُبكيه اليوم قد تكون سببًا في نضجه غدًا. ومن عرف ربَّه، علم أن وراء الأقدار حكمة، وأن الحمد بعد الفهم مرتبة، أما الحمد قبل الفهم فهو مقام المؤمنين الكبار.



