09 , مارس 2026

القطيف اليوم

فن قول “لا”.. حين يصبح الاعتذار حكمة

 

   كثيرة هي الارتباطات والعلاقات التي تجمعنا بمن حولنا ، ومع اتساع دوائر المعرفة والصداقة، تتسع أيضاً مساحة المسؤوليات ، فكل علاقة تحمل معها نوعاً من الالتزام، وكل دعوة أو طلب أو مشاركة اجتماعية تضيف بنداً جديداً إلى قائمة الواجبات ، ومع مرور الوقت، قد يجد الإنسان نفسه محاصراً و محاطاً بكمٍّ كبير من الأعمال والاهتمامات ، كتلبية دعوة، حضور مناسبة سواء فرح أو عزاء ، تواصل دائم، قضاء حوائج للناس، ومشاركة اجتماعية أو تطوعية، ناهيك عن المسؤوليات الأساسية تجاه نفسه وأسرته.

⁃    البدايات .

   في البداية قد يبدو الأمر ممتعاً و جميلاً، بل ومشْرِفاً ، أن يكون الإنسان محل ثقة الآخرين، وأن يُطلب حضوره ومشاركته في كثير من المناسبات ، لكن مع الوقت، قد يتحول هذا الشعور إلى عبء ثقيل !!! تتزاحم المواعيد، وتتشابك الالتزامات، ويجد الإنسان نفسه محاصراً بين رغبة في العطاء وبين حاجة حقيقية إلى الراحة والتنظيم ، حينها يتسلل القلق، ويظهر الإرهاق، ويصبح الذهن مشغولاً دائماً بمحاولة التوفيق بين كل تلك المطالب.

⁃    ولكن .

     عند هذه اللحظة، ربما يحتاج الإنسان أن يتوقف قليلاً ، أن يأخذ نفساً عميقاً، ويسأل نفسه بصدق:
هل أنا سوبرمان؟
وهل مافي هالبلد إلا هالولد !
هل أنا المُخْلِص الوحيد؟
هل ستتوقف الحياة إن لم أكن حاضراً ؟
هل ستتعطل الأعمال التطوعية!

إن اعتذرت مرة أو مرتين؟
والجواب ببساطة ، لا ،  مسارات الحياة لا تتوقف عند أحد، والأعمال تستمر، وسيأتي دائماً من يحمل الراية ويكمل الطريق .

⁃    الحكمة.
من هنا تأتي الحكمة في إعادة ترتيب الأولويات ، فالإنسان لا يستطيع أن يعطي كل شيء لكل الناس طوال الوقت ، لا بد من توزيع الجهد، وتنظيم الوقت، واختيار نعم واختيار ما يستحق الحضور والمشاركة ، وأحياناً يكون الحل بسيطاً جداً، ولكن يحتاج شجاعة أدبية ، أن تقول “لا”.

⁃    أقول (( لا )) كيف !!؟ 

        قول “لا” ليس قسوة، وليس تقصيراً، وليس نقصاً في الكرم أو التعاون او أنانية ، بل قد يكون في أحيان كثيرة شكلاً من أشكال الحكمة واحترام الذات ، يمكن أن تُقال “لا” بلطف وتهذيب ، لا أستطيع هذه المرة، لا يمكنني الحضور، وقتي لا يسمح الآن ، وحتى مع النفس، قد يحتاج الإنسان أن يعترف ببساطة ،  تعبت ، أحتاج إلى بعض الراحة ، أريد أن أهدأ قليلاً.

⁃    مو خطأ .

   ليس في ذلك عيب، ولا ينبغي أن يكون مصدر حرج ، فمع تقدّم العمر وتراكم التجارب، يدرك الإنسان أن الحكمة ليست في أن يفعل كل شيء، بل في أن يعرف متى يفعل ومتى يعتذر !!! 

وأحياناً يكون أجمل ما يمكن أن يقدمه الإنسان للمجتمع هو أن يفتح المجال لغيره، خصوصاً للشباب ذو الكفاءات  ، ليأخذوا دورهم ويصنعوا تجربتهم ويضيفوا طاقتهم وحماسهم.

⁃    قرار .
إن الحياة ليست سباقاً لإثبات القدرة على تحمّل كل شيء، بل هي فن موازنة بين العطاء والراحة، بين الحضور والاعتذار، وبين قول “نعم” في وقتها ، وقول “لا” حين تكون “لا” هي القرار الأكثر حكمة.


error: المحتوي محمي