دروازة.
في عصر يوم الاثنين الموافق الثاني من مارس، وبينما كنت بانتظار ممثلي أحد أندية محافظة القطيف، كان المطر ينزل خفيفاً وجميلاً، كأنّه يوقظ في المكان ذاكرةً قديمة، شدّني في تلك اللحظة لون الجدران الطينية أمامي، ذلك الامتزاج الدافئ بين التراب والماء، وبين الزمن وأثره، أخرجت هاتفي لألتقط بعض الصور للمبنى المقابل، ولتفاصيل الزخارف الجصية التي بدت أكثر حضوراً تحت بلل المطر ونعومته،
هناك، تساءلت: ما أسماء هذه الألوان؟ وما درجاتها الدقيقة؟ ولماذا نستعير مفردات أجنبية لنعرّف بها ألوان بيوتنا القديمة، وهي ابنة هذه الأرض وتربتها وذاكرتها؟ كانت الأسئلة تتكاثر بهدوء المطر، فبدأت بتدوين رؤوس أقلام لمقال موجز وبسيط، غير أنّ الفكرة لم تقف عند حدود الملاحظة العابرة، إذ أخذتني التأملات إلى مساحات أوسع، واتسع الموضوع ليصبح بحثاً في اللون بوصفه جزءاً من الهوية، لا مجرد وصفٍ لسطحٍ معماري.
⁃ دهليز.
في القطيف، يبدأ البيت من اختيار الجيران والمكان، وتحديد الأستاذ الماهر، ومنه ينطلق التخطيط، ومن ثم حجرٍ يُرصّ، وجدارٍ يُرفع، وقبضة طينٍ تُلامس الماء، هنا تتولد الحكاية، ذلك الطين الذي يبدو للعين مادة بلا قيمة، هو في حقيقته خلاصة البرّ والبحر، وذاكرة المطر، وأثر الشمس حين تشتد، وأثر الرطوبة حين تعانق الجدران فجراً، من هنا تبدأ العمارة التقليدية، من مادة أولى متواضعة، تصير بيد الحرفي الإنسان فناً، وبالصبر علماً، وبالزمن هوية.
⁃ من أين جاء الطين؟
البرّ والبحر، شراكة التكوين.
استمد البنّاء القطيفي مادته من البيئة المحيطة به، من البحر، ومن التربة الزراعية القريبة من العيون والنخيل، حيث تختلط ذرات الطين الدقيقة بأملاح خفيفة ورمال ناعمة، ومن البحر، حيث تُجمع بعض المواد الكلسية والصدفية التي تُحرق لتتحول إلى جصٍّ أبيض نقي، يعمل مادةً لاصقة، ومادة تلييس، وزخارف بهية، وأرضية صلبة.
لم تكن العملية عشوائية، بل تمر بمراحل دقيقة:
1. نقل وجمع الطين وفرشه للتجفيف الأولي.
2. جمعه ورصّه على شكل قبة.
3. إشعال الخشب لحرقه بالطريقة التقليدية تسمى الصيران.
4. فرز الطين المطبوخ والمحروق.
5. تعبئته وبيعه.
وهنا يحدث التحول المدهش:
التراب الذي كان هشّ التماسك، والكلس الذي كان صخراً أبيض يتحول إلى مادة رابطة أشبه بالعصب الذي يشدّ البناء.
⁃ من مادة خام إلى فن معماري.
لم يقتصر استخدام الرماد (الخگري) والجص على تشييد الجدران فحسب، بل تعدى ذلك إلى تشكيل الهوية البصرية للبيت القطيفي.
• في ربط الحجارة وتماسكها.
• في التلييس الداخلي والخارجي بطبقات ناعمة تعكس الضوء.
• في الأرضيات التي تُسوّى وتُدكّ لتصبح سطحاً متيناً.
• في الحمامات والمرافق حيث يُعالج الجص ليقاوم الرطوبة.
• في الأقواس التي ترتفع بانسياب هندسي موزون.
• في الزخارف الجصية التي تُرسم وتنقش قبل أن تجف، فتتشكل نقوش خطية ونباتية وهندسية تروي ذائقة المجتمع وحرفته.
الجص هنا لم يعد مادة إنشائية فقط، بل أصبح لغة جمال، وعنصراً إنشائياً وزخرفياً في آنٍ واحد.
⁃ لون الجص، هوية تتبدل ولا تتغير.
بيوت القطيف ليست بيضاء خالصة، ولا بنية صريحة، بل تتدرج بين:
• الرملي الفاتح
• الترابي الدافئ
• الطيني المحمّر
• الصدفي الكلسي
• القمحي المائل للذهب
يتبدل اللون مع المطر، ومع الرطوبة، ومع شمس الظهيرة، لكنه يحتفظ بجوهره الترابي، هي ألوان لا تحتاج إلى أسماء مستوردة، لأنها ابنة المكان:
لون النخلة حين يجف سعفها، لون الأرض بعد السقي، لون الجدار حين تلامسه الشمس.
⁃ حين تغيب المادة الأصلية
كيف نحافظ على الروح؟
اليوم، كثير من المواد الأولية القديمة لم تعد متوفرة بالجودة ذاتها، وبعض طرق الإعداد التقليدية اندثرت، إذاً نحتاج اعتماد بدائل علمية تحاكي المادة الأصلية من حيث:
• النفاذية والتنفس.
• اللون الطبيعي.
• القابلية للمعالجة.
• الانسجام مع المباني التقليدية.
تُستخدم خلطات مدروسة من الجصّ الطبيعي والمواد الكلسية المعالجة، وأحياناً الطين المثبّت بطرق حديثة، بحيث نحافظ على الشكل والخصائص البيئية، دون الإخلال بمتطلبات السلامة المعاصرة، فالهدف ليس نسخ الماضي حرفياً، بل صون روحه.
⁃ خاتمة.
البيت التقليدي بالقطيف، عندما نتوقف ونتأمل تفاصيله، نجده درساً في التواضع البيئي، وفي فهم الإنسان لموارده، وفي تحويل المادة البسيطة إلى أثرٍ يُذكر.
من حفنة تراب، شُيّدت أقواس.
ومن طين محروق، وُلدت زخارف.
ومن لونٍ ترابي، تشكلت هوية،
حين نتأمل هذا الجص والحجر، ندرك أن القيمة لا تكمن في فخامة المادة، بل في حكمة استخدامها، وهنا تكمن عبقرية العمارة التقليدية، أنها صنعت من الأرض بيتاً،
ومن البيت ذاكرة،
ومن الذاكرة وطناً.



