منذ أربعة عقود وأنا أرقب تحولات المجتمع، رأيت مدناً تُبنى من الحجر، وفللاً تتسابق في فخامة الطراز، لكنني اليوم لا أتحدث عن الهندسة المعمارية، بل عن "الهندسة الشعورية". إن البيت في فلسفتنا الاجتماعية ليس مجرد سقفٍ يقايض المطر بالظل، بل هو "منزل الروح" والملاذ الأول الذي تتشكل فيه ملامحنا الإنسانية.
إننا نعيش في عصرٍ متسارع، حيث طغت الماديات على التفاصيل، فصار البعض يهتم باتساع المجالس أكثر من اتساع الصدور، وبزخرفة الجدران أكثر من تآلف الأرواح التي تسكنها. إن "منزل الروح" الحقيقي هو ذلك المكان الذي لا تضطر فيه لارتداء أقنعة، حيث يسقط التكلف وتشرق المودة. هو الزاوية التي تجد فيها السكينة حين يضج العالم من حولك بالضجيج، وهو المحضن الذي تُبنى فيه القيم السعودية الأصيلة من احترامٍ، واحتواءٍ، وتراحم.
لقد علمتني السنوات أن الفخامة الحقيقية لا تُشترى بالمال، بل تُصنع بالحب. إن البيت الذي تملؤه ضحكات الأطفال، وتظلله حكمة الكبار، وتزينه لغة الحوار الراقي، هو المنزل الذي لا يشيخ أبداً. نحن بحاجة اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، إلى إعادة الاعتبار لبيوتنا لتكون "محطات للترميم النفسي"، لا مجرد فنادق للنوم أو استعراضٍ للمكانة الاجتماعية.
في ختام هذه السطور، تذكروا أن أجمل المنازل ليست تلك التي تُبهر المارة بواجهاتها، بل تلك التي تُدفئ الساكنين بحنانها. اجعلوا من بيوتكم "منازل للأرواح"، عامرة بذكر الله، رطبة بالكلمة الطيبة، وواسعة بحجم قلوبكم.. فالحجر قد يفنى، لكن الأثر الذي تتركه الروح في زوايا المكان يبقى خالداً كعطر لا يزول.



