الصوم عبادة تحمل مضامين أخلاقية يكتسبها الفرد وتتجلّى قوةً واقتدارًا في سلوكياته ومنهجه في الحياة، إذ إن الإمساك عن المفطرات ما هو إلا مسلك آلي يصل به نحو قوة الإرادة والممانعة تجاه المغريات والتزيين الشيطاني، فضبط الرغبات وفق القيم الدينية والأخلاقية يجنّبه الاستجابة العمياء للنفس الأمّارة بالسوء وأهوائها عندما يعرض له شيء من مشتهياته ومبتغياته ومقصوداته، فالصيام تمرين منهجي على ضبط الرغبات وكسر سلطان العادة وإعادة ترتيب العلاقة بين الإنسان وشهواته، وهذه عملية التغيير والتحوّل الداخلي التي يمارس فيها الفرد إعادة ترتيب أوراق حياته ودرجات سلّم الأولويات، حيث إن الورع عن محارم الله تعالى والخشية منه عزّ وجلّ تصبح بوصلة تفكيره وتصرفاته، فيقدّم ويؤخّر ويترك منها بحسب هذا المعيار، فالرقابة الإلهية ترصد لحظاته وسكناته وخفاياه، وعليه أن يتعامل بهمة وفاعلية في ميدان العمل الصالح وتجنّب الموبقات والخطايا، والتقوى – كيقظة روحية – تُعدّ من تجليات الشهر الكريم وتنعكس على القلب نقاءً وصفاءً من أي مشاعر سلبية تجاه الآخرين مهما أساؤوا، ويتبلور في العقل حالة التوازن والحكمة والبصيرة في طريقة التفكير والنظر في عواقب الأمور وآثارها، وإرادته تخوض غِمار واقع عملي ومحطة اختبار لقدرته على الممانعة والتوقف بحزم أمام المغريات، وهذه حقيقة التقوى التي تتجلّى في القلب فتنكشف له حقائق كانت تحجبها كثافة الغفلة وضجيج الشهوة، فالبصيرة في عين الصائم تبرز له حقيقة الدنيا الفانية بما تحمله من زخارف ومظاهر مادية إلى زوال، ولا يبقى للإنسان منها شيء إلا ما قدّمه لنفسه من أعمال صالحة وخيرات تُعدّ رصيدًا أخرويًا لمستقره الأبدي، فالصوم في مكتسباته الفكرية يحدث وعيًا وإدراكًا لحقيقة الأعمار وكيفية اغتنام لحظاته في ميدان الطاعة، فما يرهق الإنسان في طلبه والسعي الحثيث لنيله وتحقيقه قد لا يساوي لحظة ضائعة، فالتركيز على القيم والإنجاز المعتدّ به هو من نتاج وثمار الصوم والاهتمام بإعداد الشخصية المقتدرة في ساحة مواجهة المغريات، فالصوم تدريب وتهذيب للنفس على مقاومة اللذة بالنظر إلى الأمر الإلهي، وهذه المهارة الروحية هي الأساس في تكوين البصيرة، فإذا ما أراد أن يقدم على خطوة معينة نظر في عواقب أفعاله، فيتوقف عن شهوة قد تستزلّه إلى هاوية المعاصي، ومتى ما اعتاد واستمر على الامتناع عن شهوة طلبًا لرضا الله تعالى تعلّم أن يزن الأمور بميزان عاقبة الأمور لا بميزان اللحظة، فكم من لذة آنية أورثت الحسرة والندم الشديد بعد ذلك.
من أهم آثار الصوم على عقل الصائم أن يهبه البصيرة والصورة الواضحة لحقيقة الدنيا كدار مؤقتة، فهي ساحة اختبار له في كل ما يفعله، وعليه أن يتحمّل مسؤولية كل ما يصدر منه ويستعد للحساب والجزاء يوم القيامة، وهكذا يتحوّل فهمه لحقيقة عمره وقيمته بما يتوازى مع مجموع ما أنجزه من عمل تراكمي مستمر، فالعمر – كما تنتجه مدرسة الصوم – مجموع اللحظات التي استُثمرت فيما يبقى.



