22 , فبراير 2026

القطيف اليوم

سفرة الإفطار الرمضانية وملاحظات أبو سروال وفانيلة

المطبخ في رمضان ليس مكانًا عاديًا، بل مشروع يبدأ في أحسن الأحوال من بعد الظهر ويستمر حتى آخر ملعقة في المغسلة، وقوف طويل، حرارة، قدور تتناوب على النار مثل مناوبات مستشفى، توقيت محسوب بالدقيقة، ومحاولات دقيقة لضبط كل شيء قبل الأذان بثوان، لأن أي تأخير في رمضان يسجل مباشرة في ملف المعدة تحت بند «تقصير غير مقصود».

كل شيء يسير وفق خطة واضحة، قدر يغلي، قدر ينتظر، قدر في مرحلة الإنقاذ، مقلى يحمى فيه الزيت، والوقت يركض بسرعة غير إنسانية، والهدف واحد فقط، سفرة جاهزة لحظة الأذان، حتى لو كان الجسد يطالب بإجازة سنوية، والقدم تفكر جديًا في تقديم استقالة.

الأذان يرفع، الجميع يجلس، التمر ينزل، الماء يشرب، أول لقمة تقترب من الفم، وهنا تحديدًا، في هذه اللحظة الحساسة جدًا من تاريخ السفرة، يتحرك «أبو سروال وفانيلة» من مكانه الثابت، دون أن يغير وضعية الجلوس منذ العصر، ويطلق البيان الرسمي «الملح شوي زايد».

لا مقدمة، لا تمهيد، لا حتى بلع أول لقمة، تقرير عاجل يصدر بثقة، وكأن الرجل كان يتابع مستوى الصوديوم عبر نظام مراقبة ذكي مربوط بالقدر مباشرة، سرعة الاستجابة مذهلة، لدرجة أن الملح نفسه يتفاجأ أنه تم اكتشافه بهذه الدقة.

ثم يدخل التقييم الموسع «السكر قليل»، «ما استوى زين»، «زين بس مو مثل أول»، تقرير متكامل خلال ثلاث دقائق، يشمل الملوحة والسكر والاستواء، وينقصه فقط جدول إحصائي ورسوم بيانية.

المفارقة الجميلة أن نفس الناقد المحترف ينهي صحنه بالكامل، ثم يزيد، ثم يعيد التعبئة، ثم يمسح فمه بهدوء ويقول «اليوم مو مضبوط»، واضح أن الطبق كان كارثيًا لدرجة أنه اختفى مرتين.

أبو سروال وفانيلة يمتلك حاسة تحليلية خارقة، يستطيع اكتشاف نصف درجة زيادة في الملح، لكنه لو طلب منه تحديد مكان الملاس في المطبخ، قد يحتاج إلى استشارة فنية عاجلة.

الأطرف من ذلك أنه إذا خرج لمطعم، وأكل طبقًا متواضعًا جدًا، يبتسم ويقول «مطعم ممتاز»، مع أن الرز رايح فيها من الزيت، والدجاج في مرحلة إعادة تقييم، لكن لأن هناك فاتورة، يتحول كل شيء فجأة إلى «شغل مرتب»، أما في البيت فالفاتورة صفر، وباب الملاحظات مفتوح، والنقد مجاني مدى الحياة.

المشهد يتكرر بدقة موسمية، ساعات من الوقوف والعمل، سباق مع الوقت، حرارة، ترتيب، تنسيق، ثم جلسة قصيرة يتحول فيها أحدهم إلى لجنة تحكيم متنقلة، يصدر أحكامه قبل بلع أول لقمة، وكأن الأذان إشارة بدء فقرة «التقييم الفني».

لكن بعيدًا عن المزاح، خلف كل قدر يغلي، هناك أم أو زوجة أو أخت وقفت وهي صائمة، تتنقل بين نار وبهارات، تعدل وتجرب، ليس بحثًا عن نجمة عالمية، بل بحثًا عن ابتسامة على وجوهكم، هناك من يقضي يومه كاملًا يفكر ماذا يسعدكم، ماذا تحبون، ماذا يخفف عنكم تعب الصيام، ثم في النهاية يقابل أول جهده بتقرير سريع صادر من مقعد مريح.

مو كل ملاحظة لازم تقال، ومو كل رأي يحتاج مكبر صوت، أحيانًا أجمل نقد هو الصمت، وأجمل تعليق هو «يعطيك العافية»، لأن بين القدر والملعقة ساعات من التعب لا ترى، ولا تستحق أن تختصر في جملة «مو مضبوط».

الملح قد يزيد أحيانًا، السكر قد ينقص أحيانًا، والوجبة قد تتأخر دقيقة، لكن التقدير لا يجب أن يتأخر أبدًا، فقبل أن يصدر البيان الرسمي القادم، تذكر أن خلف هذه السفرة قلبًا متعبًا أراد فقط أن يراك راضيًا، لا ناقدًا محترفًا على أول لقمة.


error: المحتوي محمي